• الدواء الأفريقية


تقرير: عصام الدسوقى

لايزال قطاع الدواء في قارة أفريقيا يصيب المراقبين بالحيرة والارتباك.. إذ يتأرجح بين طرفي نقيض ما بين استثمارات ضخمة تتصاعد السنة تلو الأخرى، ونمو سنوي يتراوح من 6 إلى 11 في المائة سنويا، وتوقعات شديدة التفاؤل بأن يتجاوز حجم سوق الدواء الأفريقي 45 مليار دولار في غضون أقل من عامين بحلول عام 2020، وعلى الجانب الآخر يراه المراقبون قطاعاً تعتصره الإشكالات والمعوقات جراء الأسعار الرسمية المرتفعة المفروضة على الدواء، واللوائح المنظمة التي تفتقر للكفاءة والخبرة وغيرها من المشاكل التي تترك القطاع في أرجاء القارة نهباً وساحة مستباحة لواردات الأدوية المهربة والإنتاج المغشوش.
وتقول دورية "أفريكان ريبورت" إن قطاع الدواء الأفريقي يحمل وعوداً هائلة وفرصاً ضخمة بوسعها تحقيق الكثير من طموحات الشعوب بإحداث طفرة في سوق الدواء وتخفيض أسعار الدواء لشعوب البلدان الأفريقية، غير أن تلك الأحلام تصطدم دوماً بجمود المشرعين وبيروقراطيتهم العقيمة الذين يتعثرون في اللحاق بالتطورات، ويفشلون في تحقيق حلم التوصل إلى قرار بشأن مبادرة جديدة لإنشاء "وكالة الدواء الأفريقي" AMA، التي اقترحها برنامج "تنسيق التشريعات الدوائية الأفريقية" AMRH تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.
ولأن الشركات لديها أجهزة استشعار قوية، تفوق عادة ما لدى الحكومات والبيروقراطيات المتكلسة، فإنها بادرت باتخاذ خطوات لنيل حصص لها في سوق الأدوية الأفريقي الذي عززه نمو الطبقات المتوسطة في أرجاء القارة، والصعود الحاد لواردات الأدوية الصينية والهندية التي غمرت الأسواق الأفريقية.
ويرصد بريان بيرسون وإمانويل ميليمو، معدا تقرير "أفريكان ريبورت"، تحركات استباقية نشطة لشركات تصنيع الدواء العالمية والمحلية أملاً في الوصول إلى حلم دواء "صنع في أفريقيا"، مشيرين إلى أن مجموعة NRB الهندية تقوم منذ أبريل عام 2017 ببناء مصنع أدوية لها في زامبيا، بتكلفة 12 مليون دولار، لإنتاج أدوية مكافحة مرض نقص المناعة البشرية المكتسبة AIDS، ومرض الدرن (السل) بهدف خدمة السوق المحلي كمرحلة أولى يعقبها التوسع لتوريد منتجاتها إلى بلدان منطقة الجنوب الأفريقي بأسرها.. وأبرمت شركة "كوبر فارما" المغربية في أكتوبر 2016 اتفاقاً لبناء مصنع لإنتاج المضادات الحيوية في منطقة كيجالي الاقتصادية الخاصة في رواندا، ومن المقرر أن يبدأ تشغيله في 2019.
وشرعت حكومات أفريقية، مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا، في استخدام مخصصات الموازنات المحلية لدعم مصنعي الأدوية المحليين وتشجيعهم في وجه موجة الأدوية المستوردة من الخارج.. فمن جانبها، وافقت حكومة الرئيس النيجيري محمد بخاري على رفع المكون المحلي لمشتروات الوزارات والوكالات المحلية إلى 40 في المائة، وهي خطوة لاقت استحساناً كبيراً من جانب "جماعة مصنعي الأدوية" في البلاد. كان رئيس جمعية الأدوية في نيجيريا، أحمد ياكازاي، كشف في تصريحات أدلى بها العام الماضي "من 30-35 في المائة من الدواء المباع في نيجيريا ينتج محليا. وقد اتفقنا مع الحكومة الفدرالية على تعزيز الإنتاج المحلي من الأدوية ليصل إلى 70 في المائة."
ورغم الإيجابيات التي تطرقت إليها "أفريكان ريبورت"، التي تصدر من العاصمة الفرنسية باريس، فإنها لم تخف تحفظاتها أو العيوب أو الإشكالات التي تعتصر قطاع الأدوية الأفريقي ويرصدها الخبراء ومصنعو الدواء في القارة الأفريقية بدءاً من الأسعار الرسمية المرتفعة المفروضة، ووصولاً إلى اللوائح والتشريعات المعقدة وغير الملائمة التي تترك القطاع مفتوحاً على مصراعيه أمام إنتاج مغشوش وواردات مهربة، وانعدام ضوابط بيع الأدوية في صيدليات متخصصة وبأيدي متخصصين، وانتشار بيعها في أركان الأسواق التجارية عبر أفراد غير متخصصين، علاوة الافتقار إلى المعايير الصحية في تداول واستخدام العقاقير المخصصة للمقاومة البكتيرية، وتشير الدورية إلى أن حالات سوء استخدام تلك العقاقير موثقة بصورة قوية وتكون عواقبها وخيمة في دول تعاني أصلاً من ارتفاع حالات الإصابة بمرض الدرن (السل).
ويدخل التقرير إلى جوانب أكثر تفصيلاً بالنسبة لمعايير الجودة والفعالية للدواء المحلي الأفريقي، مشيراً إلى أن كثيراً من الأطباء يميلون إلى توصية مرضاهم بتناول مضادات حيوية بمادة فعالة قوية تصل إلى 400 ميليجرام، بينما في الواقع هم يعلمون أن المريض بحاجة إلى نصف قوة المادة الفعالة، لكنهم يلجؤون إلى ذلك لانعدام ثقتهم في المنتج المحلي، "حتى نكون في بر الأمان"، على حد تعبيرهم، ولضمان أن يحصل مريضهم على النسبة المرجوة من المادة الفعالة.
وعلى صعيد الإشكالات الأعم، يشير التقرير إلى أن قارة أفريقيا، بتعدادها الذي يمثل 11 في المائة من سكان العالم، يتوطن بها 25 في المائة من الأمراض عالمياً، علاوة على أن حجم ما ينفق على الدواء والعلاجات في أفريقيا لا يمثل سوى 2 في المائة من السوق العالمي للأدوية، رغم أن 92 في المائة من حالات الإصابة بمرض الايدز ظهرت في أفريقيا، كما أنها تشهد مستويات مرتفعة لانتشار الأمراض غير المعدية بمعدلات تفوق أوروبا.
وأمام المعوقات الضخمة التي يشهدها سوق الدواء الأفريقي سواء من حيث الجودة والسعر والبيروقراطية العقيمة، فإن مصنعي الدواء المحلييين يناضلون لمنافسة شركات أدوية أجنبية عملاقة، خصوصا من الصين والهند.. كما أن هناك حقيقة صادمة تقول إن 30 في المائة من المواطنين الأفارقة غير مؤهلين ماديا لتحمل أعباء التداوي والعلاج، كما يلجأ 40 في المائة إلى شراء الأدوية من الأسواق غير الرسمية.
ومع ارتباك المشهد في سوق الدواء الأفريقي، يبقى هناك حلم يراود مصنعي الأدوية في القارة بأن يتم ترويض تلك المعوقات، وأهمها النظام التشريعي البيروقراطي في أفريقيا، من خلال مبادرة جديدة يرعاها الاتحاد الأفريقي تعرف باسم برنامج "تنسيق التشريعات الدوائية الأفريقية" AMRH.
وقد قام البرنامج من جانبه بتشخيص المشكلة في فقرة واحدة: "الدواء سيظل مطلوباً على الدوام، وهو مجال أعمال كبيرة، لكن إذا قمت بتحرير قوانينه، فإنك ستغرق في دوامة من المنتجات المقلدة والمجهولة المصدر. وإذا فرضت تشريعات صارمة، فإنك سترفع كلفة الدواء وستزيد أيضاً من هوامش المهربين ومنتجي الأدوية المغشوشة.
ويبقى الحل في أن يتولى البرنامج إنشاء "وكالة الدواء الأفريقية" AMA، التي سيكون بوسعها تقييم مدى جودة الأدوية الجديدة، بدلا من أن تتولى ذلك كل دولة أفريقية بصورة منفردة. ومن ثم سيكون بمقدور وكالات الأدوية المحلية البت بصورة سريعة في قرارات السماح بتداول الأدوية والأغذية في الأسواق."
وقدم برنامج AMRH الإطار القانوني لإنشاء الوكالة الدوائية الجديدة أمام اجتماع الصحة العالمية، الذي انعقد في مايو الماضي، ومن المقرر مناقشته على هامش المؤتمر نصف السنوي الثالث للبرنامج المزمع انعقاده في العاصمة الغانية أكرا في الفترة من 27 – 29 نوفمبر المقبل، وتأمل خارطة الطريق أن يتم تبني المبادرة الجديدة أثناء العام الجاري 2018.
وفي ضوء ما تتطلبه المبادرة من مساع دبلوماسية مكوكية وقدرات تفاوض فائقة ورغبات محلية صادقة لترتيب أوضاع أسواق الدواء المحلية في القارة الأفريقية، يبقى مصنعو الأدوية المحليون والخبراء والمتابعون الذين يعتبرون المبادرة المقترحة "حدثاً ثورياً" في سوق الأدوية الأفريقي، واختباراً لمدى قدرة الاتحاد الأفريقي ومهارته في دفع الدول الأعضاء للتغلب على خلافاتها والموافقة على خروج "وكالة الدواء الأفريقية" إلى حيز النور.