• الاتجار بالأشخاص 1
  • الاتجار بالأشخاص


القاهرة - مجدي أحمد ... مركز أبحاث ودرسات الشرق الأوسط
يحيي العالم يوم 30 يوليو الجاري اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص ، وذلك تحت شعار "الاستجابة للاتجار بالأطفال والشباب"، حيث تسلط حملة هذا العام الضوء على حقيقة أن قرابة ثلث ضحايا الاتجار هم من الأطفال. ويلفت هذا الموضوع الانتباه إلى القضايا التي يواجهها الأطفال المتاجر بهم وإلى مبادرات العمل الممكنة المرتبطة بصون وضمان صحة الأطفال الضحايا.
إن الاتجار بالبشر هو الاستغلال الإجرامي للنساء والرجال والأطفال لأغراض مختلفة ، بما في ذلك العمل القسري والاستغلال الجنسي. وتقدر منظمة العمل الدولية (ILO) أن حوالي 21 مليون شخص هم ضحايا العمل القسري في جميع أنحاء العالم. وهذا يشمل أيضاً الأشخاص المستغلين مهنياً أو جنسياً.
وعلى الرغم من أن العدد الدقيق للضحايا غير معروف ، إلا أنه يقدر أن عدة ملايين من الأشخاص يتم بيعهم للربح في جميع أنحاء العالم. وتتأثر جميع الدول بالاتجار بالبشر ، إما كدولة منشأ أو عبور أو مقصد للضحايا.
ووفقاً لتقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، يمثل الأطفال ثلث ضحايا الإتجار بالبشر في العالم ، وتمثل النساء والفتيات 79% من حركة المرور في العالم.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت في عام 2010 خطة العمل العالمية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وحثت الحكومات في جميع أنحاء العالم على اتخاذ تدابير منسقة ومتسقة لهزيمة هذه الآفة الإجتماعية. وحثت الخطة على إدراج مكافحة الإتجار بالبشر في برامج الأمم المتحدة بشكل موسع من أجل تعزيز التنمية البشرية ودعم الأمن في أنحاء العالم. وقد كان أحد البنود المجمع عليها في خطة الأمم المتحدة هو إنشاء صندوق الأمم المتحدة الاتئماني للتبرع لضحايا الاتجار بالبشر، وخاصة النساء منهم والأطفال.
وفي عام 2013، عقدت الجمعية العامة اجتماعا رفيع المستوى لتقييم خطة العمل العالمية لمكافحة الإتجار بالأشخاص. واعتمدت الدول الأعضاء القرار رقم 192/ 68، والذي أقرت فيه اعتبار يوم 30 يوليو من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة الإتجار بالأشخاص. ويمثل هذا القرار إعلانا عالميا بضرورة زيادة الوعي بحالات الإتجار بالأشخاص والتوعية بمعاناة ضحايا الإتجار بالبشر وتعزيز حقوقهم وحمايتها.
وفي سبتمبر 2015، اعتمد العالم جدول أعمال التنمية المستدامة 2030، بما فيها أهداف وغايات بشأن الإتجار بالأشخاص. وتدعو كل الأهداف إلى وضع حد للإتجار بالأطفال وممارسة العنف ضدهم، فضلا عن دعوتها إلى تدابير ضرورية ضد الاتجار بالبشر، كما أنها (الأهداف) تسعى إلى إنهاء كل أشكال العنف ضد المرأة والفتاة واستغلالهما.
إن الاتجار بالبشر شكل من أشكال الجريمة المنظمة الدولية التي تدر مليارات الدولارات وتمثل الاسترقاق في العصر الحديث. ويستدرج ضحايا الاتجار بالبشر عن طريق الخداع أو الإكراه، وتتم المتاجرة بهم بين البلدان والمناطق، ويحرمون من استقلاليتهم وحريتهم في التنقل والاختيار، ويتعرضون لمختلف أشكال الإساءة الجسدية والنفسية.
ويقسم الإتجار بالبشر إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: ‏الاتجار لأغراض السخرة؛ الاتجار للاستغلال الجنسي؛ الاتجار بالأعضاء البشرية. وترتبط مسألة تهريب المهاجرين ارتباطا وثيقا بمسألة الإتجار بالبشر حيث يدبر المهربون دخول أشخاص بطريقة غير مشروعة إلى بلدان ليسوا من رعاياها ولا من المقيمين الدائمين فيها، للحصول على مكاسب مالية أو مادية. وبشكل عام، تنتهي العلاقة بين المهاجرين غير الشرعيين والمهربين فور تسديد المبلغ المطلوب.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلي أن عدد ضحايا الاتجار بالبشر في 106 دول وصل إلى 21 مليون شخص ، وإن أغلب ضحايا جرائم الاتجار بالبشر في العالم هم من النساء والفتيات، إذ تقدر نسبة هذه الفئة بنحو 60%. وحذرت أن الاتجار بالبشر يأتي في المرتبة الثالثة بعد الإرهاب والاتجار بالسلاح. وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن تجارة البشر من الأطفال تتعدى 3 ملايين حالة سنويا، يشكلون مادة تجارة الرقيق ، سواء باستخدامهم للتبني أو في أعمال السخرة والاستغلال الجسدي، وتجارة الأعضاء البشرية.
وذكرت الإحصائيات أن شبكات التجارة بالأعضاء البشرية تقضي سنويا على أرواح آلاف الأطفال سواء بالقتل العمد أو العمليات الجراحية لنزع بعض أعضائهم في ظروف غادرة. وتؤكد المنظمات الدولية أن وراء هذه الجريمة عصابات مافيا دولية تحقق مكاسب باهظة تقدر سنوياً بمليارات الدولارات، حيث تستخدم الأعضاء البشرية للأطفال المخطوفين بعمليات نقل الاعضاء المختلفة، أما البقايا وبعض الأعضاء الاخرى فإنها تباع إلى شركات الأدوية التي تستخدمها فى تصنيع بعض مستحضرات التجميل والمستحضرات الدوائية مرتفعة الثمن.
كما أكدت المؤشرات الدولية وجود أكثر من 150 دولة متورطة فى تجارة البشر ويبلغ ضحاياها 27 مليون نسمة فى العالم ، وأن هذه التجارة التي يقدر حجمها بما بين 152 مليون دولار إلى 228 مليونا تشهد تدفقا سنويا. بينما تؤكد دراسة لجمعية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، بيع 20 مليون طفل على مستوى العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، ليعيشوا طفولتهم في ظروف معيشية قاسية، كما فقد 12 ألف طفل من البوسنة أثناء الحرب، نتيجة تعرض أهاليهم للخداع من جانب عصابات الجريمة المنظمة وخدعت الأهالي أثناء الحصار بأنها تريد توفير أماكن آمنة للأطفال خارج البوسنة، وأنها ستعيدهم إلى ذويهم بعد ذلك، ولكن تم بيعهم لعائلات في أوروبا.
ورغم اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل في عام 1959 ، واتفاقية حقوق الطفل في عام 1989، وتحدد الاتفاقية وهي المعاهدة الدولية التي صدق عليها كأحد اتفاقيات حقوق الإنسان، عددًا من حقوق الطفل، ومنها حقوق الحياة والصحة والتعليم واللعب، وكذلك الحق في حياة أسرية، والحماية من العنف، وعدم التمييز. فان الطفل العربي يعيش في مجتمعات تمر بظروف سياسية واقتصادية غير آمنة وغير آدمية؛ فهناك أكثر من 15 مليون طفل عربي يعيشون في ظروف إنسانية صعبة، ويواجهون أخطاراً عدة بسبب الحروب والكوارث وصار معظمهم عرضة للاتجار بالبشر.
وقد انتقلت الجريمة المنظمة وعصابات المافيا المتخصصة من تجارة المخدرات والسلاح إلى تجارة البشر، خاصة تجارة الاطفال عن طريق عصابات منظمة محلية وعالمية ويتخذها البعض أما للاتجار بالأطفال بالبيع والشراء أو استخدامهم الطرق غير المشروعة مثل التسول والتحرش والسرقة، وتتخذ بعض العصابات قتل الاطفال والتجارة في أعضائهم البشرية أو عن طريق التبني غير القانوني حيث يتم استخدامهم بما يهدر قيمتهم الإنسانية.
وتفتق ذهن شيطان العصر إلى استخدام الإنترنت في بيع الأطفال، فالراغبون في تبني طفل عليهم اختيار صورة الطفل المطلوب من بين الأطفال المعروضين حول العالم ، عقب المرور بعدة خيارات مثل جنس الجنين ولونه وبلده الأصلي، لتظهرصورة أقرب طفل للمواصفات المطلوبة، وبجانبه المبلغ المطلوب ثمنا له.
وكشفت التقارير الدولية عن أن عدة دول عربية مثل اليمن الذي يعاني الانقسام والحروب وتداعياته من فقر مدقع ومجاعة،فإن بعض الأسر تضطر لإدخال صغارها ( 14 ـ 15 عاما ) مجال التجنيد بميدان القتال لعجزها عن توفير متطلبات الحياة مقابل راتب يعينهم على توفير مستلزمات المعيشة. والبعض منهم تحت سن الثماني سنوات يتم استغلاله من جانب عصابات منظمة في عمليات تهريب عبر الحدود اليمنية السعودية لتهريب القات إلى المملكة. وصنفت منظمات متخصصة اليمن كمنشأ للإتجار بالبشر وممرا له إلى دول الجوار. غير أن تجنيد الأطفال كنوع من أنواع الإتجار بالبشر ازدهر خلال الحرب بنسبة تتجاوز 800% حسبما ذكر رئيس منظمة سياج اليمنية لحماية الطفولة ارتباطا بتزايد معدلات الفقر والنزوح والبطالة غير مسبوقة، وتركيز الاهتمام الدولي والإقليمي والمحلي على توفير المساعدات المنقذة للحياة كالغذاء والمياه والدواء والمأوى مقابل تراجع كبير في خدمات الحماية الوقائية.
أما في سوريا ، فتنعش تجارة الأعضاء بين السوريين الفارين من مناطق النزاع كلاجئين مشردين يضطرون لبيع أعضائهم، بينما قام تنظيم داعش الإرهابي ببيع أطفال سوريا الرضع بعد تهريبهم إلى تركيا إلى مافيا إسرائيلية تتولى بيعهم للأسر المحرومة من الإنجاب.
ولفتت مصادر إعلامية عن تورط جهات عديدة في إنعاش سوق بيع الأعضاء والتجارة بالأطفال. وبفعل الحرب بسوريا فقد زادت حوادث اغتصاب النساء والحمل غير الشرعي في السنوات الأخيرة، ودفعت الجهات المتورطة لاستهداف هؤلاء النسوة لدفعهن لإجهاض الجنين بعد مرور شهور على الحمل من أجل استخدام أعضائه وبيعها. بينما كشفت دوائر من المجتمع المدني عن أن بعض النساء وخاصة المدمنات ينجبن أطفالاً لبيعهم لوسيط بهدف الحصول على مبالغ قليلة جداً بين 500 إلى 750 دولاراً رغم أنهن يعانين من الإرهاق والضعف الجسمي الحاد لأسباب كثيرة وهو ضعف الحالة المادية أو تعاطي المخدرات. ورصدت البحوث الاجتماعية، وجود وسطاء في سوق بيع الأطفال بين فئات العائلات الفقيرة والنازحة أو المنحرفة أخلاقياً وتحضهم على إنجاب الأطفال ويتفقون معهم على السعر مسبقاً الذي يتراوح بين 500 إلى 700 دولار، لكنهم يحصلون على مبالغ ضخمة من هذه التجارة. وكشفت التقارير الأمنية عن أن الوسيط يجني أرباحاً تتراوح بين 3000إلى 5000 دولار لكل طفل يتم بيعه، حيث يختار الوسيط ضحاياه من العائلات التي هربت بالنزوح خوفاً من المسلحين أو العمليات العسكرية، وكذلك من النساء اللائي يعانين من مشاكل عائلية كبيرة ويردن التخلص من الجنين.
وفقاً لبيانات حديثة صادرة عن منظمة الهجرة الدولية لعام 2017، فإن ما يقرب من نصف حالات الاتجار بالأطفال التي تم تحديدها بدأت بمشاركة من بعض أفراد أسرة الأطفال الضحايا. وتستند هذه الإحصاءات إلى بيانات صادرة عن البرنامج التعاوني لبيانات مكافحة الإتجار بالأشخاص، وتعتبر هذه الإحصاءات حاسمة بالنسبة لجهود منع الإتجار بالبشر وتحديد هوية الناجين وحمايتهم. والبرنامج هو أول بوابة للبيانات المتعلقة بالإتجار بالبشر في العالم ويتضمن بيانات أسهمت بها وكالات عديدة.
وتشير البيانات إلى أن حجم مشاركة الأسرة في الإتجار بأطفالها يصل إلى أربعة أضعاف حجم حالات الإتجار بالبالغين، مما يتطلب بذل المزيد من الجهود الوقائية التي تستهدف الأطفال وأسرهم على وجه الخصوص. إضافة إلى ذلك، فإن الفتيان هم أكثر تعرضاً للتجنيد من قبل أفراد أسرهم بالمقارنة مع الفتيات. وغالبا ما يتم استغلال هؤلاء الأطفال في العمل الجنسي القسري، والتسول، والعمل المنزلي، حيث تظهر البيانات الجديدة أيضاً أن الأطفال هم الأكثر عرضة للإكراه على الإتجار من خلال الإيذاء البدني والجنسي والنفسي، في حين يتم السيطرة على البالغين من خلال مصادرة وثائقهم، أو وجود شخص يستغل وضعهم غير النظامي في بلد أجنبي.
في الوقت نفسه ، كشف تقرير أصدرته اليونيسيف والمنظمة الدولية للهجرة تحت عنوان " الرحلات المرعبة"، حيث يضم التقرير شهادات من نحو 22 ألف لاجئ ومهاجر منهم حوالي 11 ألف طفل وشاب. ومن بين هؤلاء الضحايا جوي التي تبلغ من العمر 17 عاما. ويواجه الأطفال والشباب الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا مستويات مروعة من انتهاكات حقوق الإنسان، إذ تعرض نحو 77% من المسافرين منهم عبر طريق وسط البحر المتوسط لاعتداءات واستغلال وممارسات قد تصل إلى درجة الاتجار بالبشر.
وذكر التقرير أن الأطفال من الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء أكثر عرضة للإساءات والانتهاكات من غيرهم، إذ تعد العنصرية في الغالب عاملا كامنا رئيسيا في ذلك. أما بالنسبة للأطفال والشباب الذين يسافرون وحدهم أو لفترات طويلة، والحاصلين على مستويات ضئيلة من التعليم فتزيد مخاطر استغلالهم من قبل المتاجرين بالبشر والعصابات. ووفق التقرير فإن طريق وسط البحر المتوسط خطر بشكل خاص، ويأتي معظم اللاجئين والمهاجرين عبره انطلاقا من ساحل ليبيا في ظل انعدام الأمن وغياب سيادة القانون وانتشار الأنشطة المسلحة والإجرامية. ويدفع الشباب ما بين 1000 و5000 دولار من أجل السفر إلى أوروبا، التي يصلونها غالبا وهم مدينون بما يعرضهم لمخاطر أكبر.
ودعا تقرير اليونيسف الأطراف المعنية، من دول المنشأ والعبور والمقصد والاتحادين الأوروبي والأفريقي والمنظمات الدولية والوطنية، إلى إعطاء الأولوية لسلسلة من الأنشطة الهادفة إلى حماية الأطفال من الاستغلال. ويتضمن ذلك إنشاء مسارات آمنة ونظامية للأطفال المسافرين، وتعزيز خدمات حماية المهاجرين واللاجئين سواء في بلدان المنشأ أو العبور أو المقصد، وإيجاد بدائل عن اعتقال الأطفال المسافرين، والعمل عبر الحدود لمحاربة الاتجار بالبشر والاستغلال، والتصدي لكراهية الأجانب والعنصرية ضد المهاجرين واللاجئين.

أ ش أ