• ترامب


تقرير: شحاتة عوض
يبدو أن عاصفة الانتقادات الحادة والواسعة التي تعرض لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب تصريحاته خلال القمة التي جمعته في العاصمة الفنلندية هلسنكي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين حول تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، لن تمر مرور الكرام، وقد تكون لها تداعياتها على مستقبل ترامب السياسي سواء خلال ما تبقى من فترة الرئاسة الحالية، أو فرصه في الفوز بولاية رئاسية ثانية، كما ستكون لها انعكاساتها المؤكدة على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس أواخر هذا العام.
وقد وصل الأمر بالبعض مثل الكاتب الصحفي البارز توماس فريدمان بصحيفة نيويورك تايمز، إلى حد توجيه تهمة "الخيانة" إلى ترامب بسبب تصريحاته التي لم يبرئ فيها ساحة موسكو من التدخل في الانتخابات وحسب، بل إنه حّمل الإدارات الأمريكية السابقة المسئولية عن التدهور الذي أصاب العلاقات الأمريكية الروسية ، حيث قال ترامب إن العلاقات مع روسيا لم تكن قط بمثل هذا السوء "وذلك يرجع لسنوات عديدة من الحمق والغباء الأمريكي".
ترامب الذي وجد نفسه في مرمى هجمات وانتقادات العديد من الإعلاميين والمسؤولين والسياسيين وأعضاء الكونجرس بمن فيهم من قيادات الحزب الجمهوري والمؤيدين، اضطر للتراجع عن هذه التصريحات التي نفى فيها أن تكون روسيا قد تدخلت للتأثير على نتائج الانتخابات، وبعد أن قال إنه لا يجد سببا لهذا التدخل، عاد ترامب وتحت وطأة هذه الانتقادات الحادة ليعلن أن ما قاله كان زلة لسان وأنه نطق الجملة بطريقة خاطئة إذ كان يجب أن يقول إنه لا يجد سببا كي لا تتدخل روسيا في الانتخابات، بدلا من جملة "لا أجد سببا لتدخل روسيا". لكنه أكد في الوقت نفسه أن التدخل الروسي لم يؤثر على نتائج الانتخابات الرئاسية.
كما وعد ترامب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين الانتخابات المستقبلية، لكنه أعاد التأكيد على أهمية وجود علاقات جيدة مع روسيا، معتبرا أن الدبلوماسية والعلاقة مع موسكو أفضل من العداء والنزاع معها.
وعزا مراقبون هذا التراجع السريع من قبل ترامب، والذي جاء خلال كلمة ألقاها قبيل اجتماعه بأعضاء الكونجرس أمس الثلاثاء، إلى أن تصريحاته بشأن عدم تدخل روسيا في الانتخابات حملت تشكيكا غير مباشر في ما أعلنته أجهزة الاستخبارات الأمريكية التي وجهت الاتهام صراحة لعدد من ضباط المخابرات الروس بالتدخل للتأثير في نتائج الانتخابات السابقة والتي فاز فيها ترامب على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
إذ لم يكتف ترامب بتعديل تصريحاته بشأن الدور الروسي في الانتخابات الرئاسية، بل أعلن دعمه لأجهزة الاستخبارات الأمريكية، وأقر بما توصلت إليه بشأن تدخل روسيا في هذه الانتخابات ، وعبر عن ثقته بنتائج تحقيقاتها، وقال في تغريدة له على حسابه على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي "كما قلت اليوم ومرات عديدة من قبل، لدي ثقة كبيرة في أفراد استخباراتي"، لكنه بدا متمسكا بأن التدخل الروسي لم يكن له أي تأثير في نتائج هذه الانتخابات أو في تعزيز فرص فوزه فيها .
وكانت الوكالات الاستخبارية الأمريكية خلصت عام 2016 إلى أن التدخل الروسي كان السبب في ترجيح كفة ترامب في الانتخابات الرئاسية مقابل هيلاري كلينتون ، وذلك عن طريق هجمات إلكترونية وأخبار كاذبة على شبكات التواصل الاجتماعي.
وكانت تصريحات ترامب عن العلاقة مع روسيا ، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع بوتين عقب قمتهما في العاصمة الفنلندية هلسنكي ، قد قوبلت بموجة من الانتقادات الغاضبة في الأوساط السياسية والإعلامية والدبلوماسية الأمريكية ، وعبر عدد من قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي عن صدمتهم من هذه التصريحات.
فقد وصف نيوت جينجرتيش أحد القيادات البارزة في الحزب الجمهوري تصريحات ترامب بأنها " أكبر خطأ في رئاسته" ، فيما قال بول رايان، رئيس مجلس النواب، في بيان شديد اللهجة إن "على ترامب أن يدرك أن روسيا ليست حليفتنا"، مضيفا أنه "لا يوجد أخلاقيا أوجه شبه بين الولايات المتحدة وروسيا" ، فيما انتقد السيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين ، ترامب ، واصفا المؤتمر الصحفي الذي عقد في هلسنكي بأنه "الأداء الأسوأ لرئيس أمريكي".
واعتبر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان أن الرئيس ترامب أصبح في جيب بوتين بشكل كامل، قائلا في تغريدة عبر حسابه على موقع "تويتر" إن إجابات ترامب خلال المؤتمر الصحفي تفوق الجرائم العظمى والجنح وهي نوع من الخيانة".
كما هاجم رئيس الاستخبارات المركزية الأسبق ليون بانيتا، الرئيس ترامب، ووصف قمة هلسنكي بأنها "أسوأ يوم في تاريخ الرئاسة"، قائلا "رئيس الولايات المتحدة، الذي انتخب للدفاع وحماية أمريكا من خصومنا وقف بجانب خصمنا وقال إنه يثق بالروس أكثر من مخابراته والمسؤولين عن تطبيق القانون".
من جهته، اعتبر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ السناتور الجمهوري بوب كوركر أن بوتين خرج "منتصرا إلى حد بعيد" من هذا اللقاء مع ترامب، معتبرا أن "تصريحات الرئيس جعلتنا نبدو كدولة أشبه بلقمة سائغة".
كما أدان عدد من النواب الديمقراطيين مواقف الرئيس الأميركي، فقالت زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب نانسي بيلوسي إن بوتين يبتز ترامب، مضيفة في تغريدة عبر "تويتر": "أسأل نفسي كل يوم: ماذا يأخذ الروس على دونالد ترامب شخصيا أو ماديا أو سياسيا"، بينما اتهم زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الرئيس ترامب بأنه تصرف بشكل "غير مسؤول، وخطير وضعيف" أمام نظيره الروسي.
أما الكاتب البارز توماس فريدمان بصحيفة (نيويورك تايمز) فقد وصل إلى حد اتهام ترامب بالخيانة بعد تصريحاته في قمة هلسنكي ، وقال مخاطبا الرأي العام الأمريكي "نحن في ورطة ، وهناك أدلة دامغة على أن رئيسنا، للمرة الأولى في تاريخنا، يتعمد أو عن طريق الإهمال الجسيم أو بسبب شخصيته الملتوية التي تنخرط في سلوك الخيانة ، أن ينتهك اليمين الدستورية بالمحافظة على الدستور وحمايته والدفاع عنه وعن الولايات المتحدة، "واعتبر فريدمان أن ترامب أخل بهذا القسم عقب قمته مع بوتين ، داعيا النواب الجمهوريين إلى أن يسألوا أنفسهم " هل أنت مع ترامب وبوتين أم مع سي آي أيه وإف بي آي؟"
ولم تقتصر ردود الفعل الغاضبة من تصريحات ترامب على الولايات المتحدة فحسب، بل امتدت إلى الخارج ، حيث شنت صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية هجوما قاسيا على ترامب في افتتاحيتها اليوم والتي جاءت تحت عنوان "ترامب وبوتين وخيانة أمريكا"، واصفة أداء الرئيس الأمريكي في قمة هلسنكي بأنه كان "مخجلاً"، مضيفة أن ترامب قلل من شأن بلاده وإدارته في الكثير من المواقف، موضحة أن قمة ترامب -بوتين أثارت العديد من الأسئلة المقلقة بشأن مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية.
وفي ضوء كل ما سبق يبدو المستقبل السياسي للرئيس الأمريكي، على المحك، فالرجل الذي ما اعتاد أن يثير الجدل حول مواقفه وقرارته منذ وصوله إلى المكتب البيضاوي، قبل أكثر من عام ونصف العام، يواجه هذه المرة عاصفة غير مسبوقة من الانتقادات والهجوم، لكن ليس واضحا حجم وتأثير هذه الأزمة على ما تبقى من فترته الرئاسية الأولى.
ويرى محللون أن ترامب الذي نجا من أزمات أعنف من تلك سابقا وخرج فيها منتصرا، ربما ينجو هذه المرة أيضا حتى يكمل فترته الرئاسية الحالية ، لكن كل ما شهدته هذه الفترة من أزمات وانتقادات ستلقي بظلالها بكل تأكيد على فرصه في الفوز بفترة رئاسية ثانية، أما الأخطر للجمهوريين فإن ترامب وسياساته قد أصبحا عبئا على الحزب الجمهوري وفرصه في الانتخابات النصفية للكونجرس والتي لا يستبعد مراقبون أن يدفع الحزب فيها ثمنا كبيرا لهذه السياسات.