• البريكست


تقرير: هبه الحسيني

تعقد رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي فى وقت لاحق اليوم (الجمعة) اجتماعا حاسما مع وزرائها في مقرها الريفي في قصر "تشيكيرز" بهدف تسوية الخلافات داخل الحكومة والاتفاق على سياسة واضحة وموقف موحد في تنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما يطلق عليه "البريكسيت"، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الجمركية ، وفي حال التوصل إلى اتفاق ، ستقوم الحكومة فى الأسبوع المقبل بنشر وثيقة توضح تفصيليا رؤية بريطانيا الخاصة بعلاقتها التجارية المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي.
ويأتي اجتماع اليوم في ظل أجواء من التوتر المتصاعد على الساحة البريطانية حيث تتعرض "ماي" لضغوط قوية من قبل المعارضين للاتحاد الأوروبي داخل حزبها للحفاظ على وعدها بتحقيق الانفصال التام عن الكتلة الأوروبية.
وحذر برلمانيون في حزب المحافظين البريطاني من أنهم مستعدون لإسقاط حكومة تيريزا ماي في حالة قيادة البلاد نحو ما يُسمى "بريكسيت ناعم".. وصرح النائب جايكوب ريس موج ، عن حزب المحافظين والمؤيد لانفصال تام عن الاتحاد الأوروبي، أن على "ماي" أن تفي بوعودها وإلا فإنها تخاطر بانهيار الحكومة.
ومما زاد الأجواء توترا تأييد بعض الوزراء داخل الحكومة لهذه التحذيرات، وعلى رأسهم وزير الخارجية بوريس جونسون الذي أكد أهمية أن "يتمكن جميع النواب من التعبير عن آرائهم" واصفا ريس موج بأنه "نائب منضبط ومخلص". وكان جونسون قد اعتبر مؤخرا أن لندن تفتقد إلى "الجرأة" في مفاوضاتها مع بروكسل وأن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب كان سيصل إلى نتيجة أفضل، كما وصف بروكسل بأنها "عدو" لا بد من "محاربته".
وردا على ذلك توعدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي دعاة الخروج من الاتحاد الأوروبي من أعضاء حكومتها باتخاذ إجراءات ضدهم لم تحددها إذا لم يتركوا الخلافات ويصطفوا خلفها في مفاوضات "البريكست"، متحدية من يهدد بالإطاحة بها من على رأس الحكومة بأن ينْـجَزَ تهديده إذا استطاع ذلك.
من جانب آخر ، حذرت غرفة التجارة البريطانية، تيريزا ماي، من أن عدم وضوح خطتها بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يسبّب خسارة اقتصادية ضخمة.. كما حذرتها شركات ورجال أعمال من عواقب ترددها في اتخاذ قرار في هذا الصدد، وقدّموا لها لائحة مطالب لإنقاذ ملايين الوظائف والحفاظ على عجلة الإنتاج. وأشارت غرفة التجارة إلى أن الحكومة "لم تقدم أي إجابة عن الأسئلة الأساسية التي طرحها عالم الأعمال عن الوضع الاقتصادي بعد بريكست، مما سبّب تباطؤ في الاستثمارات".
وخلال القمة الأوروبية الأخيرة التي عقدت يومي 28 و 29 يونيو الماضي، تم الاتفاق على ضرورة إسراع بريطانيا والاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاق حول علاقاتهما المستقبلية، ليتم طرح ذلك على قادة الـ 27 دول الأعضاء للمجلس الأوروبي في قمة أكتوبر المقبل، حيث يجب أن توافق على الأقل 20 دولة وهو ما يمثل 65٪ من سكان الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى البرلمان الأوروبي.. كما يتوجب على البرلمان البريطاني أيضا الموافقة على الاتفاق النهائي.
وبعد مرور عامين على الاستفتاء ، يبدو المشهد البريطاني حاليا متأزما بدرجة كبيرة، فقد تظاهر الالآف من مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي أول أمس وسط العاصمة البريطانية لندن ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما خرج عشرات الالاف من جميع أنحاء البلاد في مظاهرات في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، والذي يوافق الذكرى الثانية لاستفتاء الانفصال، تعبيرا عن استياءهم من عدم احترام الحكومة لوعودها بشأن البريكست ومطالبين بتصويت الشعب على اتفاق خروج بريطانيا النهائي.
وتنبع الأزمة من أن الحكومة البريطانية تبدو حائرة وغير قادرة على تحديد إلى أي مدى ستكون درجة ارتباطها بالاتحاد الأوروبي في علاقتها التجارية المستقبلية، وهو أمر مثير للجدل على الساحتين البريطانية والأوروبية ويدفع الجميع بتوجيه أصابع الاتهام إلى لندن بأنها تفتقر إلى وجود رؤية واضحة تعكس أهدافها.
فمن ناحية ، يسعى مؤيدو "البريكست" إلى قطع الروابط بالاتحاد الأوروبي مشددين على أهمية إعادة السيطرة على أموال المملكة المتحدة وحدودها والالتزام بقوانينها..أما تيريزا ماي فهي تريد أن يبقى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة شريكين قريبين رغم تأكيدها أنها ملتزمة بالانسحاب من الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة.
من ناحية أخرى يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على وحدته وسلامة اتفاقاته الداخلية، كما يهدف إلى التوصل إلى اتفاق تجارة حرة مع بريطانيا دون أن يقدم لها نفس المزايا التي تستفيد منها خلال عضويتها.
وتتضمن العلاقات المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي عدة مسائل خلافية من أبرزها الترتيبات الجمركية حيث تلتزم حكومة تيريزا ماي بالانسحاب من الاتحاد الجمركي من أجل انتهاج سياسة تجارية مستقلة، والقدرة على عقد صفقات ثنائية مستقلة مع دول حول العالم، بينما يرى مؤيدو البقاء في الاتحاد الأوروبي بأن الاحتفاظ بنوع من الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي ضروري لتجنب حدوث خلل كبير في التجارة، مما قد يلحق ضررا اقتصاديا خطيرا.
وترتبط مسألة الترتيبات الجمركية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بكيفية تجنب إقامة حدود صعبة بين أيرلندا الشمالية - جزء من المملكة المتحدة وفي المستقبل خارج الاتحاد الأوروبي - وجمهورية أيرلندا، دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
ولا تزال هذه المسألة عالقة خاصة بعدما رفض كل من تيريزا ماي والحزب الوحدوي الديموقراطي لأيرلندا الشمالية اقتراح بروكسل بأن تظل أيرلندا الشمالية جزءا من الأراضي الجمركية في الاتحاد الأوروبي، حيث أن هذا الوضع يهدد بإنشاء حدود أخرى بين المقاطعات الست الشمالية وبقية المملكة المتحدة.
في ضوء ماسبق، يبدو أن المشهد في بريطانيا متعثر ومتخبط بدرجة كبيرة.. فقبل تسعة أشهر من الموعد المحدد للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وهو مارس 2019، لم تتخذ الحكومة البريطانية قراراها إذا ما كانت تسعى إلى خروج "ناعم" مع بقائها على اتصال وثيق بالأسواق الأوروبية، أو إلى خروج "صعب" يقطع كافة الروابط دون الأخذ في الاعتبار بالتداعيات الاقتصادية.
ويتوقع المراقبون أن فترة العامين المخصصين للتفاوض على انسحاب بريطانيا، والتي بدأت في مارس 2017، لن تكون كافية على الأرجح لتناول مختلف القضايا العالقة بين الجانبين كما أن استمرار المفاوضات في ظل غياب استراتيجية واضحة وواقعية الحكومة البريطانية ستجعل مهمة الأخيرة أشد صعوبة بالنسبة لجميع الأطراف.