• العراق


تقرير شحاتة عوض
بينما ينتظر العراقيون بترقب نجاح المشاروات الجارية بين الكتل البرلمانية الرئيسية للتوصل إلى توافقات لتشكيل الحكومة الجديدة ، لايزال الشارع السياسي العراقي يعيش على وقع نتائج الإنتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت يوم 12 مايو الجاري ،وخلّفت تركيبة برلمانية معقدة ستكون لها انعكاساتها ليس فقط على المشاروات الراهنة لتشكيل الحكومة ، بل على مستقبل المشهد السياسي العراقي برمته خلال السنوات الأربع المقبلة.
وفي حين تتواصل اللقاءات والمشاروات بين مختلف القوى السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة ، تحدثت آخر التقارير عن قرب التوصل لتشكيل أكبر كتلة برلمانية من خلال التحالف بين إئتلاف "سائرون" الذي يتزعمه مقتدي الصدر زعيم التيار الصدري ، وتحالف " النصر" بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي . وأشارت هذه التقارير إلى احتمال انضمام " تيار الحكمة" الذي يتزعمه عمار الحكيم لهذا التحالف ، إلى جانب امكانية انضمام قوى سنية وكردية آخرى . ويحتاج هذا التحالف لتأمين 165 مقعدا من إجمالي مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 329 مقعدا ، حتى يتمكن من تشكيل الحكومة.
وفي حال نجاح الاتصالات بين هذه الكتل في تحقيق الاغلبية البرلمانية ومن ثم تشكيل الحكومة ،فإن ذلك سيشكل ، في رأي المراقبين ، تحولا سياسيا لافتا في العراق ، حيث سيمثل انتصارا مهما للتيارات الوطنية التي تسعى للشراكة السياسية على أسس وطنية لا طائفية أو عرقية ، كما أنه سيمثل هزيمة للقوى الطائفية .
ويرى مراقبون أن الانتخابات الأخيرة وما حققته من نتائج ، أنعشت الآمال في أن يتجاوز العراق مرحلة المحاصصة الطائفية والعرقية التي عطلت مسيرة البلاد السياسية والاقتصادية خلال السنوات الماضية ، وتبشر ببدء مرحلة جديدة من التعايش والتوافق بين العراقيين على أسس وطنية لا طائفية أو عرقية .
ووفقا للدستور العراقي فإن على رئيس الجمهورية تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر عددا في مجلس النواب ،بتشكيل الحكومة ، لكن الكتلة النيابية الاكبر تفسر بأنها تلك التي تتشكل من خلال التحالفات بين الكتل البرلمانية وليست تلك التي تفرزها الانتخابات، وهو ما يعني الحاجة لتشكيل تحالف والتوصل إلى توافقات بين مكونات البرلمان الجديد لتأمين النصاب اللازم لتشكيل هذه الكتلة .
وحسب المادة 76 من الدستور العراقي ، فإنه سيكون أمام رئيس الوزراء المكلف مدة 30 يوما لتشكيل الحكومة وعرضها على مجلس النواب لنيل الثقة فيها بعد الموافقة على برنامجها . وإذا فشل رئيس الوزراء المكلف في تشكيل الحكومة خلال هذه المدة، أو إذا رفض البرلمان تشكيلة الحكومة التي اقترحها، فإنه يتعين على رئيس الجمهورية تكليف مرشح آخر بتشكيل الحكومة خلال 15 يوما .
وفي ضوء ذلك تبدو مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق أكثر صعوبة وتعقيدا من إجراء الانتخابات نفسها رغم ما أحاط بها من خلافات سياسية وعقبات وجدل لم ينته حتى الآن بشأن نزاهتها. وتتضح صعوبة هذه المهمة بالنظر إلى الخريطة البرلمانية التي أسفرت عنها الانتخابات ، حيث لم تتمكن أي كتلة من تحقيق فوز انتخابي ساحق يمكنها من تشكيل الحكومة بمفردها ،فضلا عن التباين الواضح في المواقف والتوجهات بين الكتل الرئيسية الفائزة بالمراكز الأولى في هذه الانتخابات.
فقد أفرزت الانتخابات كتلتين شيعيتين كبيرتين : الاولى تضم القوى الحليفة لإيران وعلى رأسها "تحالف الفتح" وهو الجناح السياسي لميليشيات الحشد الشعبي بزعامة هادي العامري (حصل على 47 مقعدا) ، وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي رئيس الوزراء السابق( 26 مقعدا)، في مقابل كتلة تبدو أقرب إلى الدول العربية والولايات المتحدة وتضم "تحالف سائرون" بزعامة مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري ، و"تحالف النصر" بزعامة حيدر العبادي ، وقد تتحالف معهما بعض القوى السنية والكردية مثل "ائتلاف القرار" بقيادة اسامة النجيفي و"قائمة الوطنية" بزعامة إياد علاوي وتحالف الديمقراطية والعدالة / كردي/ بزعامة برهم صالح.
وفي ظل هذا الوضع السياسي المعقد يبدو مقتدى الصدر الذي فازت قائمته الانتخابية ( سائرون ) بأكبر عدد من المقاعد ،حيث حصدت 55 مقعدا ،أبرز اللاعبين على الساحة السياسية العراقية في هذه اللحظة . فمنذ إعلان النتائج بدأ الصدر سلسلة من المشاورات المكثفة مع قيادات وممثلي الكتل والائتلافات البرلمانية الرئيسية التي تتقارب مع التيار الصدري في المواقف، بهدف تأمين أكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب. فقد التقي الصدر مع العبادي الذي حلت قائمته الانتخابية في المركز الثالث في الانتخابات ( ب 42 مقعدا) ،وكتلة " الحكمة " بزعامة عمار الحكيم ( 19 مقعدا). كما التقى أيضاً زعيم قائمة الوطنيّة إياد علّاوي الذي يقود إحدى القوائم السنّيّة ( حصل على 21 مقعدا).
ويبدو سيناريو التحالف بين الصدر وحيدر العبادي مع إياد علاوي وقوى سنية وكردية أخرى ، لتشكيل الحكومة الجديدة ، السيناريو المفضل لدى الدول العربية الرافضة لتزايد النفوذ الإيراني وعلى رأسها المملكة السعودية ، التي رحبت بفوز الصدر، كما أن هذا التحالف المرتقب سيحظى برضا الولايات المتحدة التي تدعم حيدر العبادي .
ويرى محللون عراقيون وعرب أن نجاح التحالف بين الصدر والعبادي قد يدفع العراق نحو وضع داخلي أكثر استقراراً سياسيا وأمنيا بالنظر إلى سعي الصدر لتشكيل حكومة وطنية عابرة للانتماءات الطائفية والعرقية ، كما أن ذلك من شأنه أن يحد من النفوذ الإيراني في العراق. وفي هذا الإطار يقول المحللون إن هناك مقومات عديدة لنجاح هذا التحالف ، فالعبادي يمتلك خبرة في قيادة الحكومة، إضافةً إلى كونه معروفاً على المستوى العالمي ويحظى بدعم الولايات المتحدة والغرب ، أما الصدر، فيتمتع بشعبية واسعة، وبإمكانه أن يوفر غطاءً من الشرعية لجهود الحكومة المقبلة في مكافحة الفساد.
لكن في مقابل هذا السيناريو لتشكيل الحكومة العراقية ، هناك سيناريو إمكانية قيام تحالف يضم ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المالكي ، وائتلاف "الفتح" بزعامة العامري مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وبعض الأحزاب السنية القريبة للمالكي، بهدف تشكيل أكبر كتلة برلمانية ومن ثم تشكيل الحكومة. لكن مراقبين يستبعدون نجاح هذا السيناريو بالنظر إلى أن هذه القوى لا تحظى بقبول واسع لدى الشارع العراقي والصدري خصوصا ، فضلا عن موقف القوى السنية الرافض للتحالف معها . كما أن هذا السيناريو ، في رأي المراقبين ، قد يعيد العراق مجددا إلى مربع التخندق المذهبي والطائفي .
لكن ذلك لا يعني أن نجاح مقتدى الصدر في تشكيل الحكومة أصبح مضمونا ، فالمشهد العراقي يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات ، لاسيما وأن الفوز باكبر عدد من المقاعد ليس ضمانة وحده للفوز بتشكيل الحكومة ، بل يتوقف الأمر على قدرة الأطراف العراقية على التوصل لتوافقات فيما بينها.ل
ولابد من التذكير هنا بما جرى عقب إنتخابات عام 2010 حين فازت القائمة الوطنية بزعامة إياد علاوي بـ 91 مقعدا مقابل 89 لنوري المالكي، ومع ذلك خسر علاوي رئاسة الوزراء لصالح المالكي والذي قيل وقتها انه جاء للسلطة بتوافق أمريكي إيراني ، وهو ما يعني أن الدور الاقليمي والدولي يبقى عاملا عاملا مؤثرا للغاية في تحديد مسار الأحداث السياسية في البلاد ، خصوصا في ظل الأوضاع الراهنة التي تشهد تصعيدا لافتا في العلاقات الإيرانية الامريكية من ناحية ، ومواجهة مفتوحة في المنطقة بين إيران والسعودية من ناحية اخرى، ويبدو العراق أحد ساحات هذه المواجهات.
وإلى جانب التحديات التي تواجه تشكيل الحكومة العراقية ، فإن ثمة تحديات أكبر ستكون في انتظار هذه الحكومة فور ولادتها ، وهي تحديات سياسية وأمنية واقتصادية.فعلى المستوى الأمني فإنه وفي حال نجح الصدر وحلفاؤه في تشكيل الحكومة الجديدة على حساب كتلة دولة القانون والحشد الشعبي، فإن الأخيرة ربما لن تقف مكتوفة الأيدى وقد تسعى لحشد الشارع ، ضد الحكومة الجديدة ، وما يحمله ذلك من احتمالات وقوع أحداث عنف.
أمنيا أيضا هناك التحدى المتمثل بالأزمة الراهنة بين الحكومة العراقية وحكومة أقليم كردستان والمرتبطة بتداعيات الاستفتاء على استقلال الاقليم في سبتمبر الماضي وما ترتب عليه من تأزم كبير ، وهو ما يتطلب معالجات عاجلة وجذرية.
وهناك تحد آخر يتمثل في الخطر الذي يشكله تنظيم داعش الارهابي ،فرغم أن الحكومة العراقية أعلنت رسمياً النصر في حربها ضد تنظيم داعش في يوليو 2017، لكن ذلك لا يعني أن خطر التنظيم قد انتهى ، فضلا عن ان الحكومة الجديدة سيكون عليها التعامل مع استحقاقات ما بعد انتهاء هذه الحرب والتي تتمثل في ترميم العلاقات مع ابناء المناطق السنية لضمان عدم ظهور التنظيم مرة اخرى .ويرتبط بذلك أيضا تحدي إعادة إعمار المحافظات التي دمرتها الحرب على داعش ، لاسيما في ظل الأزمة المالية التي تعانيها البلاد، والحديث عن عجز في الموازنة العامة لعام 2018 يقدّر بنحو 13 تريليون دينار عراقي.
كما أن ملف الفساد المنتشر في مختلف القطاعات الحكومية يشكل أحد التحديات المهمة التي ستواجه الحكومة الجديدة ، خصوصا وأن الشارع العراقي بات يضج من تفشي الفساد في البلاد بشكل غير مسبوق .