• احياء القاهرة


كتب:حسام ابراهيم
ما أن يحل شهر رمضان الكريم حتى تكتب القاهرة نصها الرمضاني البهي على الايقاعات البهيجة لحشود البشر الذين يجددون المعنى الكبير لثقافة المكان عاما بعد عام حتى قيل بحق أن القاهرة مدينة رمضانية بامتياز وتكتسب دلالات ثقافية تميزها عن بقية المدن والأمصار طوال رمضان.
وفي الأحياء القاهرية العتيقة التي تستقبل الجميع بكل الود تتجلى معنى رمضان المصري في ايقونة صنعها التاريخ وحوارات الأزمنة بعفوية ودون تصنع أو تكلف وتتصافح ابداعات متعددة لتمنح المزيد من الحضور والزخم للمجازات الذهنية والأدوار الرمزية للقاهرة كقطب جاذب في ثقافة المكان للابداعات الأدبية والفنية.
ولن يكون من الغريب أن يكون "المدد" الرمضاني بنفحاته الايمانية وايقاعاته البهيجة حاضرا في الكتاب والأغنية واللوحة التشكيلية على غرار ذلك المعرض الذي احتضنه "جاليري العاصمة" مؤخرا للفنانة التشكيلية صفية القباني بالعنوان الدال :"المدد" حيث تشكل المساجد القاهرية أحد أهم مصادر "المدد" لهذه الفنانة المصرية التي تبدع في التصوير الجداري وتسعى للتحرر من الأنماط والصيغ الجاهزة .
وفي تجليات ثقافة المكان القاهري الرمضاني ، ستجد سكان حي عرف برونقه الحداثي مثل "الزمالك" الذي يضم "جاليري القاهرة" يسعون نحو الأحياء القاهرية العتيقة في قلب القاهرة المعزية حيث تبلغ النفحات الايمانية والايقاعات الإنسانية البهيجة ذروتها في الليالي الرمضانية.
وغدا "الثلاثاء" تفتتح وزيرة الثقافة ايناس عبد الدايم "ليالي رمضان" بسور القاهرة وهي الفعاليات الرمضانية القاهرية الثقافية والفنية التي تقيمها الهيئة العامة لقصور الثقافة احتفالا بالشهر الكريم ليتألق "شارع المعز" الذي يحمل دوما عبق القاهرة المعزية ويتفاعل المكان مع النفحات الايمانية والايقاعات الإنسانية البهيجة ويشهد المسرح الكبير في "باب النصر" وعند سور القاهرة الشمالي عناق التنويعات الثقافية المصرية كما تعبر عنها فرق للفنون الشعبية قادمة من أماكن شتى في ارض الكنانة مابين العريش وبور سعيد وسوهاج.
كما تحتضن "الحديقة الثقافية" بحي السيدة زينب العديد من الفرق الفنية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة لتقدم فرق قادمة من أماكن كالوادي الجديد وأسيوط وحي الأنفوشي السكندري ابداعاتها بهذا الحي القاهري العريق والذي يتخذ زينته كأبهى مايكون في شهر رمضان الفضيل.
وحي مؤثر في ثقافة المكان كحي السيدة زينب لابد وأن يكون ملهما لابداعات مثقفين مصريين كبار كيحيي حقي أحد رواد القصة العربية الذي ولد في السابع من يناير عام 1905 في بيت يقع "بدرب الميضة" وراء "المقام الزينبي" ليقدم هذا الأب الثقافي المصري الذي قضى في التاسع من ديسمبر عام 1992 روائع مثل "قنديل أم هاشم" و"أم العواجز".
وإذا كان يحيي حقي ابن حي السيدة زينب وتلقى تعليمه الأولي في "كتاب من كتاتيب هذا الحي القاهري العريق" ، فان المبدع الراحل صالح مرسي الذي ولد بمدينة كفر الزيات في محافظة الغربية يوم السابع عشر من فبراير عام 1929 ، وقضى في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1996 قد تناول ضمن روائعه في القصة والرواية طرفا من المعاني والرسائل التي يبثها حي السيدة زينب لكل البشر وتضمد جراح المكلومين والمتألمين مثل "زغدانة" بطلة قصته "البحار مندي".
وفي عناق الزمان والمكان طوال أيام الشهر الكريم لاتتوقف الحركة مابين احياء قاهرية راقية كالزمالك والمعادي والتجمع ومصر الجديدة وجاردن سيتي واحياء القاهرة التراثية كالسيدة زينب والسيدة عائشة والجمالية ، ناهيك عن حي الحسين الذي يعد بحق درة تاج ثقافة المكان القاهري الرمضاني.
فهنا في حي الحسين القاهري تهفو القلوب لمسجد أقيم منذ عام 1154، ويحمل اسم سبط النبي الكريم "الحسين بن علي بن ابي طالب" فيما يتاخم الجامع الأزهر وخان الخليلي وتحمل أبوابه أسماء موحية "كالباب الأخضر" كما يضم مكتبة في جهته الشرقية.
وذاكرة حي الحسين القاهرية "كمنطقة فوق العادة" على حد تعبير مانويل كاستلز عالم الاجتماع الثقافي والاتصال الجماهيري هي ذاكرة رمضانية بامتياز وهي ذاكرة لها سطوتها المحببة في المجال العام وتفاعلاته بقدر ما تحولت لعلامة متروبوليتانية لمدينة لها حضورها الكوني وعشاق حول العالم.
وبفضل أحياء كالسيدة زينب والجمالية والغورية والحسين ، قال أكاديمي ياباني معني بالتراث وهو الدكتور شوجي فوتو الأستاذ بجامعة نيهون اليابانية ان القاهرة اكثر المدن ثراء على مستوى التراث بين كل المدن التراثية في العالم.
وككل عام أخذ حي الحسين زينته الرمضانية هذا العام بالأنوار والفوانيس والبيارق بينما تتكاثر حلقات الذكر لتضفي المزيد من الخصوصية الرمضانية لهذا الحي الذي يتصل ليله بنهاره في الشهر الفضيل.
ولاريب أن حي الحسين القاهري كعلامة دالة على الهوية والانتماء المصري هو "حي مؤسس للبهجة الكونية الرمضانية" كما أنه يعبر ببساطة وبلاغة معا عن ثقافة المصريين المنتصرة للحياة والمحتفلة بها في عديد التعبيرات والاشارات والايماءات مابين مفردات اللغة وتبادل التحية وسلوكيات السماحة والتسامح وطقوس الترفيه وفضاءات الحميمية والفطرة الطيبة ولكأن الانسانية كلها انخرطت واندمجت في ليالي الحسين الرمضانية.
وتتجلى الثقافة الشعبية المصرية في االليالي الرمضانية بحي الحسين فيما يرتفع الدعاء لمصر من قلوب المحبين لآل البيت الأطهار لعنان السماء ويتوهج الحي العريق حتى اطلالة الفجر عندما يودع الآلاف والألاف من زوار جاؤوا من كل مكان للمكان الذي تحول في مخيالهم الجمعي الى شارة عز ونفحات ايمانية فوق خرائط المجد القاهرية بينما صنع كل محب لهذا الحي "صورته الخاصة من متن ذكرياته في الحسين التي تصنع سيرة عشق للمكان".
ويكاد "رمضان المصري لايكتمل عند الكثيرين الا بقضاء ليلة في الحسين" حيث تتوافد الجموع على المسجد الكبير في المنطقة التي شرفت باسم الحسين وباتت ساحته الحافلة بالرموز الثقافية وبديع المعمار والحوارات الجمالية والروائع التراثية تحمل عبقا مصريا بالغ الخصوصية فيما يتشابه المشهد الى حد كبير في حي مثل منطقة السيدة زينب التي شرفت بدورها بهذا الاسم .
واذ يعد مولدا الحسين والسيدة زينب أكبر مولدين بالقاهرة تفيد تقديرات معلنة ان مالايقل عن مليون زائر يشاركون في الاحتفالات الكبرى سنويا بمولد الحسين ، فضلا عن شقيقته السيدة زينب ويجتذب الاحتفال الشعبي بذكرى مولد الحسين العديد من الزوار من خارج القاهرة فيما تضفي الطرق الصوفية بمريديها الكثير من طقوسها ومباهجها على المكان الذي لاينام في ليالي رمضان بمحيطه وشوارعه ودروبه وخاناته ووكالاته وأزقته ومقاهيه وشخوصه وحكاياته المتناسلة عبر مسيرة الأجيال وحنين النوستالجيا القاهرية الرمضانية ومنابع البراءة النقية.
وفي ليالي الحسين الرمضانية يموج المكان فرحا بشتى اللغات واللهجات واللكنات لبشر جاؤوا من كل مكان وتتألق عناقيد النور على ايقاع سهرات الانشاد الديني فيما يهتم الباحثون في تخصصات ثقافية مختلفة من بينها التاريخ الاجتماعي والانثربولوجي وعلم الاجتماع الثقافي بتلك الاحتفاليات والليالي الرمضانية في حي الحسين باعتبارها مادة للدراسة والابحار المعرفي.
واذا كانت الليالي الرمضانية في الحسين حدث يلتحم ويتفاعل مع ثقافة وتقاليد المكان كما انه "مناسبة زمانية للذاكرة الحية" فان هذا الاهتمام والتدبر في المعاني والاشارات يعيد للأذهان ما تحمله ابداعات وكتابات ادباء ومفكرين مصريين من أهم رموز الثقافة المصرية حيث تسطع شخصية الحسين واسمه كما هو الحال في ثلاثية نجيب محفوظ ومسرحيتي عبد الرحمن الشرقاوي: "الحسين ثائرا" و"الحسين شهيدا" ناهيك عن كتاب "الحسين ابو الشهداء" لعباس محمود العقاد .
وحي الحسين أشبه "بجامعة كبرى" لايمكن ان يفلت من تأثيرها من عاش فيها واحبها وانتمى اليها خلال فترة أساسية من العمر كما حدث مع نجيب محفوظ وهكذا كان من الطبيعي أن يؤثر هذا الحي القاهري في أدب نجيب محفوظ .
وذلك التأثير واضح كل الوضوح في "المرحلة المحفوظية" التي يسميها النقاد باسم " المرحلة الواقعية" فكثير من أسماء رواياته مستمد من بيئة الحسين مثل "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" وكلها أسماء شوارع وأزقة في حي الحسين انتقلت الى عالم نجيب محفوظ الروائي الذي رفع راية الحسين فأصبحنا نشم رائحة هذا الحي ونكاد نرى خريطته الجغرافية والانسانية معا كما قال الناقد الراحل رجاء النقاش .
وبقدر ما نشأت الليالي الرمضانية في الحسين وتطورت متفاعلة مع الشخصية المكانية والثقافية لهذا الحي القاهري ، فانها تعيد تشكيل المكان فيما القمم العالية لمآذن المسجد الحسيني تكللها حبال من الأضواء الملونة وتنساب حبال الأضواء من المسجد باشراقات فوق الشوارع والأزقة وتضاريس البنايات والأناشيد الايقاعية للذكر الصوفي في محيط الاحتفال بالليالي العطرة.
ومازال حي الحسين علامة رمضانية مصرية بامتياز بحلقات الانشاد الديني والمقاهي ومشغولات الحرفيين المهرة ، فيما أمسى شارع المعز لدين الله تحفة للناظرين وبهجة للساهرين بين جنباته التي تعود للعصر الفاطمي والبيوت والأسبلة والوكالات التجارية العتيقة.