• الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون


القاهرة في 6 مايو/ أ ش أ/ تقرير: هبه الحسيني.. مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط

شهد العام الأول من فترة رئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبلاده العديد من التحديات الإصلاحية التي تغلب عليها ، والنجاحات الدبلوماسية التي حققها ، الأمر الذي يلقي علي عاتقه مسؤوليات جسام خلال الأربع سنوات المتبقية من فترة ولايته ، تتطلب جهودا كبيرة للحفاظ علي هذا المستوى من الأداء ، خاصة في ظل احتجاجات بعض الفئات علي نتائج السياسة الإصلاحية ، وهي الاحتجاجات التي تقف وراءها قوي المعارضة في البلاد.
ويحتفل ماكرون غدا ( الإثنين ) بمرور عام على انتخابه بعد فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، ليدشن بذلك مرحلة جديدة في تاريخ البلاد ويصبح أصغر رئيس في تاريخ الجمهورية الفرنسية.

وتزامنا مع الذكرى الأولى لانتخاب ماكرون، شهدت باريس أمس السبت مظاهرات شارك فيها آلاف من المواطنين احتجاجا على السياسات الإصلاحية التي يتبناها ماكرون، وحمل المتظاهرون لافتات كتب عليها شعارات مثل "أوقفوا ماكرون" كما أخذوا يهتفون "عام واحد يكفي" على دقات قارعي الطبول في مسيرة مناهضة لماكرون نظمها أعضاء حزب اليسار المتطرف "فرنسا الأبية"، وتم نشر نحو 2000 من قوات الأمن بما في ذلك شرطة مكافحة الشغب مع تجمع المتظاهرين في ساحة الأوبرا المركزية. كما اندلعت مظاهرات أصغر في مدينتي تولوز وبوردو الواقعتين جنوب فرنسا.
وبعد عام من تربعه على عرش الإليزيه، تظهر استطلاعات الرأي انخفاض في مستوى شعبية الرئيس الفرنسي حيث كشف الاستطلاع الذي أجراه معهد إيبسوس لصالح تلفزيون فرنسا، بمناسبة مرور عام على تولي ماكرون السلطة، أن نحو ثلثي الفرنسيين، أي 64٪ “يشعرون بخيبة أمل” بسبب عمل رئيس الجمهورية منذ انتخابه، وأن 36٪ من المستطلعة آراؤهم يعتبرون أن “فرنسا تسير بشكل أسوأ” منذ أن أصبح ماكرون رئيسًا للبلاد.

في السياق ذاته، كشف استطلاع آخر للرأي أجراه مركز"تي إن إس سوفرس- ون بوينت"" لصالح مجلة لوفيجارو الفرنسية، أن 41% فقط من المستطلعة آراؤهم يثقون في قدرة الرئيس الفرنسي ورئيس وزرائه إدوارد فيليب على حل المشكلات التي تواجه البلاد حاليا، بينما عبَر 56% منهم عن عدم ثقتهم في قدراته على إخراج البلاد من أزماتها.

ويتفق المراقبون على أن التراجع الملحوظ في شعبية الرئيس الفرنسي يعود بالأساس إلى سلسلة الإجراءات الإصلاحية التي بدأ في تنفيذها بحزم منذ بداية حكمه والتي لم تلق قبولا واسعا لدى الشارع الفرنسي. وكان من أبرز تلك الإصلاحات تعديل قانون العمل، أحد أهم وعوده الانتخابية وأكثرها جدلا، وركز هذا التعديل بالأساس على وضع حد أقصى لتعويضات الصرف والاستغناء عن النقابات خلال التفاوض في شركات يقل عدد موظفيها عن خمسين موظفا. ولم يحظ هذا التعديل بإعجاب الفرنسيين الذين اعتبروا أنه يخدم مصالح أرباب الأعمال بالدرجة الأولى.
من بين الإصلاحات أيضا التي تبناها ماكرون ارتفاع الضرائب المفروضة على الطبقة المتوسطة وأصحاب المعاشات وبالأخص ضريبة "المساهمة الاجتماعية العامة ####((CSG"#### ، وهي ضريبة لتمويل الحماية الاجتماعية. وهذه الزيادة تشمل نحو 60 % من المتقاعدين أي ما يعادل 8 ملايين شخص، وستكبدهم خسارة بواقع 408 يورو سنويا بالنسبة لمن يتقاضون شهريا 2000 يورو.
وأثارت الإصلاحات التي يسعى ماكرون تنفيذها في الشركة الوطنية للسكك الحديدية "اس ان سي اف" احتجاجات واسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد حيث يرفض موظفو السكك الحديدية تحويل الشركة إلى شركة مساهمة تحقق أرباحا مثلما يشترط قانون الاتحاد الأوروبي، خشية إلغاء الوضع الخاص الذي يحظون به والذي يوفر لهم ضمانات وظيفية مدى الحياة. وتسبب هذا الوضع في إضرابات مستمرة في قطاع النقل أدت إلى إصابة الكثير من المرافق الحيوية في البلاد بالشلل.

كما شكل مشروع قانون اللجوء والهجرة، الذي أقره البرلمان في 23 أبريل الماضي، جدلا واسعا في الشارع الفرنسي حتى أن النائب جان ميشيل كليمنت، وهو عضو في حزب ماكرون "الجمهورية إلى الأمام"، قد صوت ضد مشروع القانون مؤكدا أنه سيخالف الأغلبية. ويشدد القانون على قواعد اللجوء والهجرة ومن أهم نصوصه تقليص مدة دراسة طلب اللجوء إلى ستة أشهر وزيادة مدة الاحتجاز الإداري من 45 إلى 90 يوما وحتى 115 يوما في بعض الحالات.

وما يميز ماكرون عن أسلافه من الرؤساء الفرنسيين هو تصميمه على المضي قدما في طريق الإصلاحات بحزم وصرامة رغم كافة الاحتجاجات والاعتراضات، فهو يبدو تصالحيا في تصريحاته أمام المواطنين الرافضين لسياساته لاحتوائهم وتهدئتهم غير أنه لا يتراجع قيد أنملة عن خططه الإصلاحية.

وتختلف رؤية الفرنسيين لأداء ماكرون خارجيا عن رؤيتهم لسياساته داخليا إذ كشفت استطلاعات الرأي أن 59% من الفرنسيين المستطلعة آراؤهم يرون أن ما يقوم به ماكرون لاستعادة دور فرنسا على الساحة الخارجية يمثل نجاحا ملحوظا. فقد استطاع ماكرون خلال عامه الأول تحقيق العديد من الإنجازات الدبلوماسية الملموسة، وتمكن من إبراز نجم فرنسا مرة أخرى كدولة مؤثرة على الساحتين الأوروبية والعالمية.

ومن أهم ما تميز به ماكرون خارجيا حرصه على تبني سياسات معتدلة واحتفاظه بعلاقة جيدة مع الجميع حتى حال وجود اختلاف في وجهات النظر فهو ينجح في لعب دور المعارض الحكيم الذي يعارض السياسات لكنه قادر في الوقت نفسه على فتح حوار بنَاء بدلا من توجيه الانتقادات.
وأكبر مثال على ذلك علاقاته المتميزة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث وجه إليه الدعوة في 14 يوليو للمشاركة في احتفالات العيد الوطني وهو ما اعتبره الكثيرون تصرفا ذكيا للتقارب مع ترامب وتفادي ازدياد عزلة الولايات المتحدة على الساحة العالمية بعد إعلان الأخيرة انسحابها من اتفاق باريس للمناخ. في المقابل اختص ترامب ماكرون ليكون أول رئيس توجه له الدعوة لزيارة الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي، وهو ما يعكس المكانة الخاصة التي يوليها له ترامب والتي ظهرت جلية في فعاليات الزيارة في أبريل الماضي.

كما وجه ماكرون الدعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة فرنسا في مايو الماضي، لافتتاح معرض في فرساي بمناسبة حلول الذكرى الـ300 لزيارة القيصر بطرس الأكبر إلى فرنسا عام 1717، وهدف ماكرون من هذه الزيارة إلى فتح صفحة دبلوماسية جديدة في العلاقات المتوترة بين موسكو وباريس.
وقام الرئيس الفرنسي بالعديد من الزيارات الخارجية الناجحة التي تمكن خلالها من تعزيز مكانة فرنسا خارجيا من بينها زياراته للصين والهند وأستراليا، فضلا عن زياراته لعدد من الدول العربية كالمغرب والجزائر وتونس والإمارات. كما لعب ماكرون دورا ملموسا في حل القضية الليبية بعد أن تمكن من جمع رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وقائد الجيش الليبي الوطني المشير خليفة حفتر.
وقام ماكرون بجولات في القارة الأفريقية شملت عدة دول من بينها السنغال ومالي وبوركينا فاسو وساحل العاج وغانا، سعى من خلالها إلى إطلاق حقبة جديدة من العلاقات الفرنسية الأفريقية قائمة على الشراكة الاقتصادية وطي صفحة الماضي الاستعماري. كما دعم ماكرون إنشاء القوة العسكرية لمجموعة دول الساحل الخمس لمحاربة الإرهاب واستضافت باريس في ديسمبر قمة للمجموعة لبحث سبل دعم هذه القوة ماديا ولوجستيا.

وعلى الصعيد الأوروبي نجح ماكرون في الصعود بقوة مستغلا بذلك التراجع الملحوظ للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وانشغالها أشهر طويلة بتشكيل الحكومة الائتلافية، فضلا عن تراجع دور بريطانيا بعد البريكست. وسط كل ذلك، وجد ماكرون فرصته الذهبية للظهور على الساحة الأوروبية كقائد شاب مفعم بالحيوية والنشاط، صاحب أفكار جديدة وغير تقليدية، وقدم مبادرته لمستقبل الاتحاد الأوروبي والتي ركزت بالأساس على إقامة ميزانية مشتركة وتنصيب وزير مالية لمنطقة اليورو بهدف تحويل هذه المنطقة إلى قوة اقتصادية قادرة على المنافسة دوليا والصمود أمام تحديات المستقبل، فضلا عن ضرورة تأمين الحدود الخارجية لأوروبا وضمان تقاسم عبء استقبال اللاجئين بين الدول الأعضاء.

وقد كشف استطلاع سنوى، يدرس مدى تأثير النفوذ العالمى غير العسكرى للدول، أن فرنسا احتلت المرتبة الأولى في الدول الأكثر تأثيرا في العالم كقوة ناعمة تحت حكم ماكرون متجاوزة بذلك بريطانيا والولايات المتحدة. وأشارت صحيفة "الجارديان" البريطانية إلى أن صعود فرنسا من المركز الخامس إلى المركز الأول يوضح مدى تأثير الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون في إنعاش الدبلوماسية الفرنسية والدور الذي لعبه لاستعادة مكانة فرنسا على الساحة الدولية، هذا إلى جانب الشبكة الدبلوماسية الواسعة لفرنسا من حيث العضوية فى مؤسسات دولية ومتعددة الأطراف.

في ضوء ما سبق، يبدو جليا أن العام الأول من حكم الرئيس ماكرون كان عاما زاخرا بالأحداث والتغيرات التي شهدتها الساحة السياسية الفرنسية وهو ما يعطي مؤشرا قويا على أن السنوات الأربع المتبقية من حكمه لن تكون هينة على الرئيس الشاب خاصة أن استطلاع أودوكسا للرأي، الذي نشرته مجلة لو فيجارو في 4 مايو الجاري، كشف أن 60% من الفرنسيين لا يرغبون في ترشح ماكرون لولاية رئاسية جديدة عام 2022 وهي نتيجة مخيبة للآمال للرئيس الفرنسي، لذلك سيقع على عاتقه مهمة جذب المواطنين من جديد وتعزيز ثقتهم به حتى يتمكن من استكمال مسيرته الإصلاحية وتقليص الاحتجاجات المعارضة.