• مصاب بمرض التوحد


القاهرة - مجدي أحمد ... مركز دراسات وأبحاث الشرق الأوسط

تضئ سماء العالم غدا " الاثنين" باللون الأزرق احتفالا باليوم العالمي للتوحد ، ويأتي الاحتفال هذا العام تحت شعار " تمكين النساء والفتيات المصابات بالتوحد"، حيث يركز على أهمية تمكين النساء والفتيات المصابات بالتوحد وإشراكهن في المنظمات التي تمثلهن في صنع السياسات واتخاذ القرارات للتصدي لهذه التحديات.
واحتمال تمكن الفتيات ذوات الإعاقة من إكمال تعليمهن الابتدائي هو احتمال ضعيف، فضلا عن أنهن أكثر عرضة للتهميش أو الحرمان من الحصول على التعليم ، وتشير الإحصاءات إلي أن معدل توظيف النساء ذوات الإعاقة هو أقل من معدل توظيف الرجال والنساء من غير ذوي الإعاقة.
وعلى الصعيد العالمي، تواجه النساء العنف البدني والجنسي والنفسي والاقتصادي أكثر من الرجال، فيما تتعرض النساء والفتيات ذوات الإعاقة للعنف القائم على نوع الجنس بمعدلات أعلى وبشكل غير متناسب وبأشكال فريدة. ونتيجة للعجز وشيوع القولبة النمطية، تواجه النساء والفتيات ذوات الإعاقة حواجز أمام حصولهن على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، أو إمكانية تلقيهن المعلومات المتعلقة بالتثقيف الجنسي الشامل، ولا سيما النساء والفتيات ذوات الإعاقة الذهنية بما في ذلك مرض التوحد.

كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت في نوفمبر عام 2017، قراراً لفتت به الانتباه إلى التحديات الخاصة التي تواجه النساء والفتيات ذوات الإعاقة في سياق تنفيذ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وأشار القرار إلي الشواغل المتصلة بتعرض النساء والفتيات ذوات الإعاقة لأشكال متعددة ومتشابكة من التمييز، مما يحد من تمتعهن بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
ومن خلال مناقشات دينامية منظمة مع الخبراء والدعاة، ينظر في التحديات الخاصة التي تواجه النساء والفتيات المصابات بالتوحد في إطار ذلك السياق. ومن القضايا الرئيسية الأخرى التي يجب معالجتها: التحديات والفرص في ممارسة الحقوق ممارسة كاملة في الأمور المتعلقة بالزواج والأسرة والأبوة والأمومة على قدم المساواة مع الآخرين، وكما هو موضح في المادة 23 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وفي أهداف التنمية المستدامة (وبخاصة الهدفين الخامس والسادس) التي اعتمدها قادة العالم في عام 2015.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد حددت في ديسمبر2007 بموجب قرارها 139/62، يوم 2 أبريل بوصفه اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد لتسليط الضوء على الحاجة إلى تحسين حياة الإطفال والبالغين الذين يعانون من هذا المرض، بما يكفل لهم التنعم بحياة كريمة على أكمل وجه، وبدأ الاحتفال به لأول مرة في عام 2008.

وقال أنطونيو جوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة في رسالة له بهذه المناسبة " إن هذا هو اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد يحل بنا. فليدل كل ما بدلوه في تغيير المواقف السائدة تجاه مرضى التوحد وفي الاعتراف بحقوقهم كمواطنين لهم، أسوة بغيرهم، الحق في المطالبة بتلك الحقوق وفي اتخاذ القرارات التي تخص حياتهم بكامل إرادتهم ووفق ما يفضلون" .
وأضاف " لنجدد الوعد الذي قطعناه على أنفسنا في خطة التنمية المستدامة لعام 2030 بألا يخلف الركب أحدا وراءه وبأن نضمن للناس قاطبة فرصة المساهمة كأفراد فاعلين في إقامة مجتمعات يسودها السلام والرخاء". وتابع قائلا " وكما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن الأهلية القانونية والمساواة في الاعتراف أمام القانون هما من الحقوق المتأصلة التي يتمتع بها مرضى التوحد على قدم المساواة مع أفراد مجتمعاتنا الآخرين ، فلنعمل على توفير التسهيلات وأشكال الدعم الضرورية لمرضى التوحد لتمكينهم من ممارسة هذين الحقين ومن انتهاج السبل التي يختارونها لأنفسهم بكل حرية. ذلك أنهم بحصولهم على الدعم الذي يحتاجونه ويختارونه، سيمتلكون أسباب القوة التي ستمكنهم من اجتياز المراحل الكبرى التي يمر بها كل إنسان في حياته، من قبيل اختيار أين يعيش ومع من يعيش، وهل يتزوج ويقيم أسرة، وأي نوع من العمل يزاول، وكيف يدبر شؤونه المالية الخاصة.
وأكد غوتيريش ، أن مرضى التوحد عندما يتمتعون بالمساواة مع الآخرين وبفرصة البت بأنفسهم في مآلاتهم والاستقلال في اتخاذ قراراتهم، فإنهم يصبحون قادرين حتى على التأثير في مستقبلنا المشترك تأثيرا إيجابيا أقوى.

وتشير التقارير الطبية إلي أن التوحد ، هو عبارة عن إعاقة متعلقة بالنمو وعادة ما تظهر خلال السـنوات الثلاثة الأولى من عمر الطفل، إذ تنتج عن اضطراب في الجهاز العصبي الأمر الذي يؤثر على وظائف مخ الطفل ، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
ويشير مصطلح التوحد إلى مجموعة من الخصائص ، وتؤكد التقارير الطبية أن من شأن تقديم الدعم المناسب لهذا الاختلاف العصبي والتكيف معه وقبوله أن يتيح للمصابين بهذا المرض التمتع بتكافؤ الفرص والمشاركة الكاملة والفعالة في المجتمع. ويتميز التوحد بشكل رئيسي بتفاعلاته الاجتماعية الفريدة، والطرق غير العادية للتعلم، والاهتمام البالغ بمواضيع محددة، والميل إلى الأعمال الروتينية، ومواجهة صعوبات في مجال الاتصالات التقليدية، واتباع طرق معينة لمعالجة المعلومات الحسية.ويعتبر معدل التوحد في جميع مناطق العالم مرتفعا ويترتب على عدم فهمه تأثير هائل على الأفراد والأسر ومجتمعاتهم المحلية. ولا يزال ما يرتبط بهذه الاختلافات العصبية من وصمة العار والتمييز يشكل عقبات كبيرة في التشخيص والعلاج، وهي مسألة يتعين على واضعي السياسات العامة معالجتها في البلدان النامية وكذلك في البلدان المانحة على حد سواء.

ويعتبر مرض التوحد من الأمراض المتعارف عليها حديثاً في العالم، ففي الماضي لم يشتهر هذا المرض ولم يسمع عنه أحد، بخلاف هذه الأيام التي تتضاعف فيها نسبة مرضى التوحد حول العالم بشكل مطرد سنوياً، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة المصابين بالتوحد في العالم أكثر من نسبة مصابي مرض السرطان نفسه.

وتنقسم أعراض التوحد إلى قسمين كما تشير الدراسات العلمية الحديثة . وتوجد "أعراض جسدية" كالتشوهات الخلقية البسيطة التي تظهر على الطفل كتشوه شكل أذنيه الخارجية أو شذوذ في جلده وبصمات أصابعه بشكل خاص. كما توجد "أعراض سلوكية واجتماعية"، إذ لا يتمتع الطفل المصاب بالتوحد بالود والملاطفة الاجتماعية كباقي الأطفال ويظهر ذلك في عدم تفاعله مع من حوله حتى مع عائلته أيضاً، وعندما يبلغ الطفل عامين أو ثلاثة أعوام يفضل العزلة واللعب وحيداً، فلا يحب أن يشاركه أحد في نشاطاته التي يقوم بها، كما يصعب على الطفل تمييز والديه عن باقي الناس إضافة إلى معاناته في كسب ود الأطفال الآخرين ومشاركتهم اللعب.
ويلاحظ أيضاً تأخره في اكتساب اللغة للتواصل مع الآخرين، إذ يشار إلى أن صعوبة اللغة لا ترجع إلى امتناع الأطفال عن التكلم وإنما إلى التأخر في تطورهم، إضافة إلى ذلك انشغال الطفل لساعات متتالية باهتمامات لا يمل تكرارها، إذ يسلك من خلالها طريقاً روتينياً لا يحيد عنه، كما أنه يكرر كلمتين أو كلمة قد يسمعها من شخص بصوت عال دون نسيانها أو التوقف عن ترديدها، وينظم ألعابه بشكل مستقيم ويصرخ ويبكي ويضحك من دون سبب، وأيضاً من النادر أن يلتفت لمن يكلمه لذلك يظن الكثير من الناس أنه مصاب بالصم ولكنه في الحقيقة مصاب بالتوحد.

وعن الأسباب التي تؤدي للإصابة بالتوحد ، فما زال السبب الرئيسي وراء مرض التوحد غير محدد إلى الآن، مما يثير حيرة الأطباء بشكل كبير عن هذا المرض، إذ لا يوجد علاج محدد لهذا الاضطراب الذي يصيب الأطفال، ولعل الأطباء خلال سعيهم لإيجاد علاج فعال للتوحد، حددوا عددا من أهم الأسباب التي تؤدي للإصابه به ، وهي :

1 - الأسباب الجينية الوراثية: فرغم أنه لا يمكن تحديد الجين المسؤول عن نقل هذا الاضطراب من جيل لآخر حتى الآن، ظهرت دراسات تثبت أن هذا المرض يمكن أن ينتقل عن طريق الوراثة.

2 - التأثيرات البيولوجية: أي النفسية على المواليد والرضع وهذا يشمل الأدوية التي تتناولها الأمهات في أثناء الحمل والرضاعة والظروف النفسية التي صاحبها الحمل والرضاعة أيضًا.

3 - الاختلالات البيولوجية المرتبطة بالجهاز العصبي: إذ إن 25% من مصابي التوحد كانوا يعانون من نوبات صرع، ومنهم من عانى في أثناء عملية ولادته من نقص في كمية الأكسجين الواصل إلى المخ.

4 - ظهر مؤخراً أطباء ممن يعالجون التوحد لدى الأطفال يحذرون من ترك الأطفال الذين لم يبلغوا سن الثالثة أمام القنوات التي تشتت انتباه الأطفال كقنوات أغاني الأطفال كطيور الجنة وكراميش وغيرها، مشيرين إلى أن ما يحدث للطفل خلال انتباهه لتلك القنوات هو الاستمتاع بالإيقاع ولا يفهم الكلمات، فيحاول التركيز على التصوير الذي يتكون من صور مختلفة تعرض بشكل خاطف وسريع، فلا يمكن للطفل تخزينها أو اللحاق بها حتى تجد الطفل قد التصق بشاشة التلفاز محاولاً تتبع رقصات الأطفال وحركاتهم، وبعد أشهر من هذه الحالة يلاحظ التركيز الشديد على الطفل وعدم النطق وقد يرافق هذه الأعراض تشتت في الانتباه وإطلاق صراخات وفرط في الحركة وعدم الاندماج مع محيطه البشري.

وتشير احصائيات منظمة الصحة العالمية إلي أن عدد المصابين بالتوحد وصل إلي 67 مليون مصاب ومع تزايد نسبه الإصابة بها حول العالم. في حين بلغ معدل الإصابة بالتوحد بين الأطفال في العالم 20 لكل 10آلاف طفل تقريباً ، أي بواقع طفل واحد من بين كل 160 طفلا، وتمثل تلك التقديرات عدد الحالات في المتوسط، وتلفت إلى أن بعض الدراسات الحديثة تفيد بمعدلات انتشار أعلى بكثير من ذلك. كما يزيد معدل انتشار التوحد بين الأطفال الذكور 4 مرات عنه بين الإناث.

وتحتل أمريكا المركز الأول من حيث أعلى نسبة لمصابي التوحد حول العالم، حيث أوضحت إحصاءات عن التوحد من المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن هناك طفلا واحدا من بين 88 طفلا أمريكيا مصابا بالتوحد، وهذه النسبة تزيد عشرة أضعاف كل 40 عاما، وأظهر بحث أن التوحد أكثر شيوعا عند الأولاد مقارنة بالبنات بمعدل 4-5 مرات، ويصاب ولد واحد بالتوحد من بين كل 42 ولدا، في حين تصاب فتاة واحدة من بين كل 189 فتاة .
ويصل عدد المصابين بالتوحد في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يصل إلى أكثر من 3 ملايين شخص، أما عدد المصابين به في جميع أنحاء العالم فيصل إلى عشرات الملايين، وأشارت إحصاءات حكومية عن التوحد إلي أن معدلات الانتشار تزيد من 10% إلى 17% سنويا في السنوات الأخيرة، ولا يوجد سبب لهذه الزيادة المستمرة، رغم تحسن التشخيص والتأثيرات البيئية وهما غالبا سببان رئيسيان في تحديد خطورة هذا الاضطراب.
ويشير فريق من الباحثين في هذا المجال إلي أن الزيادة ارتبطت بإدراك أفضل لأعراض التوحد مما شخص حالات كانت موجودة من قبل ولكن غير مشخصة، فالأمر لا يرجع لوجود حالات جديدة، كما أن الحالات المشخصة الجديدة تعتبر من النوع الأقل حدة.
وأثبت مسح أجراه الفريق البحثي هاتفيا وشمل أكثر من 100 ألف من الآباء أن 2% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاما مصابون بالتوحد مقارنة بنسبة 1.16% عام 2007. كما أنه من الملاحظ عند مرجعة الفريق للدراسات الحديثة في نسب انتشار اضطراب التوحد وجدوا أنها قد تصل في بعض الولايات الأمريكية إلى إصابة في 110 حالات, بمعدل زيادة قدره 634%, ولعل أحدث الدراسات المتعلقة بنسب انتشار التوحد تشير إلى أن هناك إصابة بين كل 148 حالة - حسب الفريق البحثي - .
وتشير إحصائيات الدراسات الحديثة إلي ثبات نسبة انتشار المرض في معظم دول العالم ،، ففي اليابان تصل النسبة إلي إصابة حالة واحدة لكل 110 حالات, وفي المملكة المتحدة والتي قدرت الجمعية الوطنية للتوحد فيها نسبة الإصابة من إجمالي السكان بحوالي 700 ألف شخص في المملكة المتحدة الذين يعيشون مع مرض التوحد – لتكون هذه أكبر نسبة من 1 في كل 100 شخص .
وقدر مجلس البحث الطبي في بريطانيا نسبة الإصابة بحالة لكل 166 حالة في الأطفال تحت سن 8 سنوات, وفي كاليفورنيا التي تعتبر من أكثر الولايات دقة فيما يتعلق بدراسات نسب انتشار التوحد تضاعفت النسب خلال عامين لترتفع من 10360 إلى 20377 حالة, كما أوضح التقرير أن الزيادة في عدد حالات التوحد الكلاسيكي كانت بواقع 634% .
وتشير الإحصاءات إلي أنه عند مقارنة نسب انتشار اضطراب التوحد مع الإعاقات الأخرى تلاحظ وجود فارق واضح, يدل على أن التوحد هو أحد الإعاقات النمائية الأكثر والأسرع انتشاراً بين مختلف الإعاقات الأخرى, فنسبة انتشار سكري الأطفال تصل إلى إصابة لكل 500 حالة, ومتلازمة داون إصابة لكل 800 حالة, كما أن اضطراب التوحد أكثر شيوعاً من سرطان الطفولة والذي يمثل إصابة لكل 300 إصابة, وأكثر من الشلل الدماغي (إصابة لكل 275 حالة), وأكثر من الإعاقة السمعية (إصابة لكل 999 حالة), وأكثر من حالات الإعاقة البصرية (إصابة لكل 1111 حالة). كما أن هناك بعض الاضطرابات المصاحبة للتوحد من مثل الحالة الطبية والتي تمثل ما نسبته 6% وتتضمن الشلل الدماغي, ومتلازمة داون, والسل, كما أن ما نسبته 35% من الأطفال المصابين بالتوحد يعانون من الصرع.

أ ش أ