• فرنسا


تقرير: هبه الحسيني

مع انتهاء عام 2017 ، اهتمت الأوساط الفرنسية بإلقاء الضوء على أهم ما شهدته البلاد خلال هذا العام من أحداث وتطورات بارزة، وكان انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون رئيسا للبلاد في مايو الماضي هو الحدث الأهم والأبرز على الساحة الفرنسية.
في هذا السياق، أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد "ايفوب فيدوسيال" لحساب مجلة "باري ماتش" الفرنسية، ونشر في 27 ديسمبر الماضي، أن 33% من الفرنسيين المستطلعة أرائهم اختاروا الرئيس ماكرون ليكون شخصية العام، واعتبروا أن انتخابه رئيسا للبلاد كان هو الحدث الأهم الذي يميز عام 2017.
واعتبر الفرنسيون أن دخول ماكرون الإليزيه قد أتى برياح تغيير شملت مختلف جوانب الحياة السياسية سواء الوجوه الجديدة التي ضمتها الحكومة أمثال إدوارد فيليب رئيس الوزراء، وجون ميشيل بلونكيه وزير التعليم ، أو التغيير الملحوظ الذي شهده البرلمان بضمه نوابا أكثر شبابا يمثلون اتجاهات سياسية مختلفة وتمثيل أكثر للنساء.
في السياق ذاته، اختارت مجلة " الإيكونوميست" البريطانية "فرنسا" لتكون "بلد العام" 2017 وذلك لانتخابها الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون الذي نجح في "الإطاحة بالنظام القديم" وتمكن من مواجهة التيار المتطرف الذي كانت تمثله مرشحة الجبهة الوطنية مارين لوبن.
ويرى ميشيل ديوكوس، الخبير في معهد مونتيني، أن اختيار المجلة لفرنسا كبلد العام 2017 يعبر عن الصورة المتجددة والمختلفة التي تمثلها البلاد بعد انتخاب ماكرون.. فمن ناحية تمكن الرئيس الجديد من التصدي للتيار الشعبوي الذي كان يمثل تهديدا خطيرا على الصعيدين الداخلي والخارجي، وفي الوقت ذاته نجح في تبني إصلاحات ظلت فرنسا تتفادى حدوثها منذ أكثر من ثلاثين عاما.
ويشير ديوكوس أن من بين العوامل التي ساهمت في سطوع نجم ماكرون هو انشغال القيادات الأخرى في الدول الكبرى بقضايا داخلية شديدة الأهمية، فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تبذل جهودا مضنية لتشكيل حكومة ائتلاف تحكم ألمانيا، أما رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي فهي منهمكة في جولات التفاوض الخاصة بالبريكست ، في حين يواجه رئيس الوزراء الأسباني ماريانو راخوي التحدي الأكبر له في مواجهة الانفصاليين في كاتالونيا.
وسط كل ذلك، يجد ماكرون فرصته الذهبية للظهور على الساحة الأوروبية كقائد شاب مفعم بالحيوية والنشاط، صاحب أفكار جديدة وغير تقليدية، معارض حكيم فهو يعارض سياسات دونالد ترامب لكنه قادر في الوقت نفسه على فتح حوار بناء معه بدلا من توجيه الانتقادات.
وكانت شعبية الرئيس الفرنسي قد شهدت تصاعدا ملحوظا خلال الأشهر الثلاثة الماضية خاصة خلال شهر ديسمبر الجاري حيث ارتفعت 7 نقاط وفقا لما أظهره آخر استطلاع للرأي أجرته وكالة "هاريس انتراكتيف" وكشف أن 52% من الفرنسيين المستطلعة أراؤهم يضعون ثقتهم في ماكرون كرئيس للدولة.
ويرجع فريق من المراقبين هذا التصاعد المحلوظ في شعبية الرئيس ماكرون إلى العديد من العوامل من أهمها غياب معارضة قوية في المشهد الفرنسي وهو ما مكنه من العمل بحرية على الساحة السياسية. فأقوى معارضة أمام ماكرون في الفترة الراهنة تتمثل في حزب اليسار الراديكالي بقيادة جون لوك ميلانشون ولكنه لا يتمتع بالثقل الذي يمكنه من الوقوف أمام طموحات الرئيس الشاب والتصدي له. أما مارين لوبن فقد شهدت تراجعا كبيرا في شعبيتها وتسعى لاسترداد مكانتها بعد هزيمتها في الانتخابات الاخيرة.
وبالنسبة لقوي اليمين واليسار التقليديين فقد خرجوا من المعارك الانتخابية هذا العام في حالة وهن وانقسام وبالتالي لم تعد لديهم القدرة على القيام بدور المعارضة إلا بعد ترميم أوضاعهم الداخلية.
في ضوء ماسبق، يبدو واضحا ان الفرصة مواتية أمام ماكرون لتنفيذ برنامجه الانتخابي على النحو الذي يريده دون عقبات، وهو ما قد ساهم بشكل رئيسي في رفع أسهمه على المستوى الشعبي.. فقد نجح ماكرون بدرجة كبيرة في أن يثبت للمواطنين أنه قادر على تنفيذ وعوده حيث تمكن خلال السبعة أشهر الماضية من تحقيق بعض الانجازات التي أثارات جدلا واسعا في الشارع الفرنسي وكان أبرزها تعديل قانون العمل، وقوانين الإصلاحات الضريبية التي صدق عليها أمس وكانت محل انتقادات من تيارات اليسار.
وعلى الصعيد الخارجي ، نجح ماكرون في تحقيق نجاحات دبلوماسية ملحوظة من أهمها استقباله للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مايو الماضي لافتتاح معرض في فرساي بمناسبة حلول الذكرى الـ 300 لزيارة القيصر بطرس الأكبر إلى فرنسا عام 1717، كما استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمشاركة في احتفالات العيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو.
وتمكن ماكرون من تحقيق نجاح دبلوماسي مهم في ملف القضية الليبية بعد أن نجح في جمع الغريمين الأساسيين رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر سويا في فرنسا في يوليو الماضي. كما اعتبرت الجولة الأفريقية الأخيرة التي قام بها ماكرون الشهر الماضي أحد أبرز إنجازاته والتي أظهرته رئيسا شابا لا ينتمي إلى العصر الاستعماري ويسعى لإطلاق حقبة جديدة من العلاقات الفرنسية الأفريقية قائمة على الشراكة الاقتصادية.
ويتفق المراقبون على أن عام 2018 سيمثل التحدي الأبرز والأهم أمام ماكرون ، لأنه العام الذي سيشهد استكمالا لنهج التغيير الذي تعهده الرئيس، ويعد بمثابة المرحلة الثانية من تطبيق برنامجه الانتخابي حيث يرى عدد كبير من الوزراء في الحكومة أن 90% من البرنامج الرئاسي سيتم تنفيذه خلال هذا العام .
ويتوقع أن يعمل ماكرون على خفض الإنفاق العام، وإصلاح النظام التعليمي، وإرساء أسس أخلاقية نموذجية على صعيد الحياة العامة، قانون الهجرة، وإعادة ربط الضواحي بالجمهورية لتجنيب شبابها التطرّف، والحرص على تلبية متطلبات مواجهة الإرهاب ، فضلا عن دعم المساواة بين الرجل والمرأة.
كما يتوقع المراقبون أن يكون عام 2018 عام التحدي أيضا على المستوى الخارجي حيث يتوقع أن يعمل الرئيس على توطيد علاقاته الخارجية مع مجموعة جديدة من الدول ، وأن يجري زيارات إلى الصين وإيران وروسيا ، وأن يلعب دورا بارزا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأمن منطقة الساحل، بالإضافة إلى دعم دور فرنسا على الصعيد الأوروبي.