• السيسي وبوتين


كتب: حسام ابراهيم

القاهرة .. يرحب المصريون بضيفهم الكبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متطلعين بكل الثقة والأمل والتفاؤل لنتائج مباحثاته المهمة اليوم "الاثنين" مع الرئيس عبد الفتاح السيسي فيما تشكل الثقافة رافدا من أهم روافد النهر المتجدد للعلاقات المصرية-الروسية.

وإذ تتوالى الطروحات والتعليقات في الصحافة ومختلف وسائل الإعلام حول أبعاد ودلالات ومغزى الزيارة التي يقوم بها بوتين لمصر تلبية لدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي فان هذه الزيارة تثير ذكريات عزيزة لدى جيل من المثقفين المصريين عاصر منذ أيام الصبا حقبة شهدت عنفوانا في العلاقات بين الجانبين ولصالح الشعبين والبلدين الصديقين ليحق وصف هذه العلاقات بأنها "تاريخية واستراتيجية" .

ولئن كان الموسيقي المصري الشهير عمر خيرت يصف روسيا "بالبلد الذي يحترم الموسيقى والفنون الراقية والثقافة احتراما كبيرا فان دور الأوبرا والمسارح الكبرى في العالم تقدم دوما أيقونات فنية وثقافية روسية خالدة فيما اقترنت روسيا لدى المثقفين المصريين والعرب ككل بأسماء أدباء ومبدعين كبار مثل تولستوي وجوركي ودوستويفسكي وبوشكين وجوجول وميخائيل شولوخوف.

ومقابل الحاجة لدراسات نقدية ثقافية عميقة لتأثير الأدب الروسي على الأدباء المصريين سواء في مجال الرواية أو القصة القصيرة ومدى استلهام أصوات خالدة في الأدب الروسي والعالمي من وزن تولستوي وتشيخوف ودوستويفسكي وبوشكين الذي تأثر بالإسلام والقرآن الكريم فإن من الأهمية بمكان أيضا تصدي نقاد أدبيين وباحثين في التاريخ الثقافي لدراسة مدى تأثر الأدب والثقافة في روسيا بالأدب والثقافة المصرية والعربية فضلا عن التفاعل المنشود بين الأجيال الجديدة للأدباء والمبدعين في البلدين الصديقين .

وواقع الحال أن العلاقات الثقافية بين مصر وروسيا لها مضمون ثري وتاريخي كما توضح شخصيات ثقافية هامة مثل الكاتب والأديب بهاء طاهر و المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي والدكتور جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق فيما تشكل شخصية تاريخية مصرية مثل الشيخ محمد عياد الطنطاوي علامة دالة في هذا السياق.

ففي العقد الثالث للقرن التاسع عشر توجه هذا الأب الثقافي المصري إلى روسيا ليعيش على ضفاف نهر الفولجا كممثل للثقافة المصرية والعربية في تواصل مع المثقفين والأدباء الروس وليتحول الى علامة مضيئة ودالة على مدى العمق التاريخي للعلاقات الثقافية بين الشعبين الصديقين فيما أزيح الستار قبل نحو أربعة أعوام عن تمثال برونزي للشيخ الطنطاوي في مدينة سان بطرسبورج بحضور حاشد للمثقفين والأكاديميين الروس. وممثلي الجالية المصرية والجاليات العربية.

والشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي ولد في قرية صغيرة بالقرب من مدينة طنطا وقضى عام 1861 في بلدة فولكوفا الروسية كان شاعرا ومثقفا موسوعيا وعالما من علماء الأزهر الشريف ولبى دعوة رسمية روسية تلقاها عام 1839 في عهد القيصر نيكولاي الأول لتعليم اللغة العربية وآدابها في معهد اللغات الشرقية التابع حينئذ لوزارة الخارجية الروسية.

وتقول الوثائق الروسية فضلا عن كتاب للأكاديمي الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي ان الشيخ الطنطاوي تحول إلى علامة ثقافية في العاصمة القيصرية الروسية سان بطرسبورج وكان هذا الشيخ المصري القادم من ضفاف النيل محط أنظار المثقفين الروس على ضفاف "الفولجا والنيفا".

وفي احتفال أقيم بالقاهرة منذ نحو أربعة أعوام بمناسبة مرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء بين مصر وروسيا قامت "دار أنباء روسيا" بإهداء دار الكتب والوثائق القومية نسخة إلكترونية من المخطوطات النادرة للشيخ محمد عياد الطنطاوي وهي مجموعة تتكون من 113 مخطوطة نادرة كتبها الطنطاوي خلال سنواته الحافلة بالعطاء الثقافي في روسيا.

والملاحظ ان مؤسسات ثقافية رسمية في مصر مثل الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية تنهض بأدوار مقدرة على صعيد دعم العلاقات الثقافية بين مصر وروسيا وهو ما يتجلى في ملتقيات ومؤتمرات ثقافية تبحث وتناقش مسائل ثقافية هامة في سياق العلاقات بين البلدين الصديقين مثل

"الرحلات المتبادلة بين مصر وروسيا" و"العلاقات التعليمية والعلمية" و"الاستشراق والعلاقات الإنسانية" و"الصحافة واللغة" و"الأدب والفن والتاريخ" .

وإذا كانت الحركات الصوفية بدورها التاريخي المشهود في نشر الإسلام فى أفريقيا بآسيا الوسطى قد وصلت إلي نهر الفولجا فى روسيا فإن الإضاءة الثقافية المصرية للعلاقات الروحية بين مصر وروسيا تتضمن دراسات وأبحاث من بينها دور الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في إصلاح الكنيسة الروسية في الحقبة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر والعلاقات بين الكنيستين المصرية والروسية في القرنين التاسع عشر والعشرين فضلا عن بحث حول العلاقة بين روسيا ودير سانت كاترين في سيناء.

وكان البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية قد زار روسيا في أواخر عام 2014 وسط ترحيب على كل المستويات الرسمية والشعبية لتعزيز العلاقات التاريخية بين الكنيستين المصرية والروسية.

ولئن كانت مصر في عصر محمد علي قد اختارت أربعة من شبابها النابهين لدراسة علم التعدين في سيبيريا فمن الطريف مناقشة مواضيع في مؤتمر ثقافي منذ نحو أربعة أعوام بالقاهرة مثل "الروس في حي حلوان" ولعل هذه النوعية من الدراسات تمنح المزيد من الثراء للأبعاد الثقافية للعلاقات المصرية-الروسية.

وينشط المركز الثقافي الروسي في القاهرة بالتوازي مع دور نشط للمكتب الثقافي في السفارة المصرية بموسكو يتجلى في مهرجانات ثقافية ومعارض فنية وعرض أعمال نحتية مصرية لفنانين مثل أسامة السروي الذي أبدع تمثالا لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يزهو به الآن المتحف الإقليمي لمقاطعة تفير الروسية.

وضمن أنشطته المميزة يبدي المركز الثقافي الروسي بالقاهرة اهتماما ملحوظا بإبداعات الفن التشكيلي المصري وتشهد قاعاته من حين لآخر افتتاح معارض فنية مصرية في مناسبات هامة فيما أعلن عن تقديم خصومات بنسبة 50 في المائة على أسعار الاشتراك في برامجه الدراسية والثقافية ودوراته المتخصصة في "الكمبيوتر وتصميم الجرافيكس" بمناسبة زيارة الرئيس فلاديمير بوتين اليوم لمصر.

ويؤكد مدير المركز الثقافي الروسي في القاهرة اليكسي تيفانيان ترحيبه دوما بالتعاون مع الفنانين المصريين لمد جسور التواصل الثقافي بين البلدين الصديقين فيما افتتح مساء أمس "الأحد" معرضا للفن التشكيلي بعنوان "رسالة حب من بيتر" للفنانتين الروسيتين الكسندرا سبيرانسكايا ويوليا شتيرن .

وكثير من كتابات المثقفين المصريين تؤكد على حقيقة الدور التاريخي للاتحاد السوفييتي السابق في دعم الإرادة الوطنية المصرية بعد ثورة 23 يوليو 1952 لبناء قاعدة القوة الذاتية للاقتصاد المصري ومشاريع التصنيع العملاقة دون إملاء شروط على المصريين مقابل هذا الدعم على نحو ما سجله مثقف مصري كبير هو الكاتب الراحل محمد عودة في كتابه عن "قصة السوفييت مع مصر".

وهاهو الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أسامة الغزالي حرب يستدعي ذكرياته في سياق تناوله للعلاقات المصرية-الروسية معتبرا أن لروسيا والاتحاد السوفييتي السابق تاريخا ناصعا مع مصر والمصريين ويقول :"أنتمي إلى الجيل الذي عاصر في طفولته الإنذار الروسي الشهير الذي وجهه بولجانين الى بريطانيا وفرنسا في عام 1956في غمار الأزمة التي فجرها تأميم عبد الناصر لقناة السويس ".

ويضيف :"أنتمي إلى الجيل الذي عاش في صباه وشبابه معركة بناء السد العالي حيث قام الروس بمساعدتنا في بنائه في واحدة من أمجد وأعظم ملاحم البناء والإنجاز والبطولة في مصر فضلا عن العديد من المشروعات الصناعية التي كانت روسيا فيها خير سند لمصر التي حققت أهم إنجازاتها العسكرية الحديثة أي حرب أكتوبر 1973 بواسطة السلاح الروسي".

وإذ تنثال مثل هذه الذكريات فان ثمة اتفاقا بين العديد من المثقفين المصريين على أن العلاقات المصرية - الروسية التي مرت بمراحل مد وجزر تشهد الآن "ارتقاء نوعيا وشاملا" في ظل توجه مشترك للرئيسين عبد الفتاح السيسي وفلاديمير بوتين.

وللكاتب الصحفي المصري المتخصص في الشأن الروسي الدكتور سامي عمارة كتاب هام حول المشهد الروسي في ظل رئاسة فلاديمير بوتين بعنوان :"بوتين: صراع الثروة والسلطة" فيما وصف الكاتب الدكتور عمرو عبد السميع هذا الكتاب الذي صدر في 454 صفحة بأنه "وثيقة هامة ينبغي قراءتها بجدية عند كل المهتمين بالشأن العام الذين يودون الاتكاء على أسس معلوماتية في تناولهم لعلاقة التحالف الوليد بين مصر وروسيا".

وفي سياق تناوله لأبعاد الزيارة الجديدة التي يقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين لمصر والمباحثات المرتقبة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ينوه سامي عمارة وهو مدير مكتب جريدة الأهرام في موسكو بأن "لقاء القاهرة" اليوم هو الثامن في سلسلة لقاءات الزعيمين المصري والروسي منذ اللقاء الأول في شهر فبراير عام 2014 بموسكو .

والزيارة-كما يقول الدكتور سامي عمارة-علامة تشكل تأكيدا جديدا لحرص البلدين على تطوير ما سبق وتوصل إليه الزعيمان السيسي وبوتين من اتفاقات ورؤى مشتركة ترتقي بالعلاقات المصرية - الروسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وبين نهري النيل والفولجا تسري الثقافة بإيقاعاتها المبدعة في النهر المتجدد للعلاقات المصرية - الروسية وتمنح المزيد من البهاء لصور نبيلة لشعبين صديقين وبلدين ينتصران معا للحياة ويتطلعان لعالم أفضل وأكثر عدالة ولعل ذلك وراء الارتياح الواضح بين المثقفين المصريين حيال الزيارة التي يقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين اليوم للقاهرة.


أ ش أ