• الخط العربي


كتب: حسام ابراهيم
تتوهج هالات الحرف العربي في قاهرة المعز عبر حالة من الزخم الثقافي لفن الخط العربي وحوارات الجمال مع فنون أخرى كالموسيقى كما يتبدى الآن في الدورة السادسة والعشرين لمهرجان الموسيقى العربية.
ونوهت الدكتورة إيناس عبد الدايم رئيسة دار الأوبرا ومهرجان الموسيقى العربية بأن الدورة الحالية للمهرجان "متميزة" وأحد أسباب تميزها أنها تتضمن معرضين للخط العربي إلى جانب بساتين النغم.
وإذ افتتح المعرض الأول لفنون الخط العربي في سياق الدورة السادسة والعشرين لمهرجان الموسيقى العربية بقاعة "صلاح طاهر" في دار الأوبرا فان المعرض الثاني افتتح بقاعة "زياد بكير" للفنون التشكيلية.
وشهد هذا المهرجان الذي بدأ منذ الأول من شهر نوفمبر الجاري تكريم فنان الخط العربي أحمد عبد الفتاح البشلي الذي يعد الآن احد المبدعين المصريين الكبار في هذا الفن العربي بمكانته العالية وموقعه الفريد في عالم الفن والإبداع فيما يستعيد عشاق الخط العربي ابداعات "شيخ الخطاطين محمد عبد القادر".
ويعرض البشلي في هذا المعرض للخط العربي 70 لوحة لفتت الأنظار بتوظيفها للأرقام العربية كنماذج زخرفية مع تناغم لوني مثير للإعجاب بهذا الفنان المصري الذي يبرز جماليات الخط العربي بين التراث والمعاصرة.
وأحمد عبد الفتاح البشلي الذي ولد في مطلع عام 1952 حصل على بكالوريوس في الزراعة ودبلوم في الخط العربي فضلا عن دبلوم التخصص في الخط والتذهيب وشارك في العديد من معارض الخط العربي كما نهض بمهام تعليمية بمدرستي الخطوط في "الجيزة وباب اللوق".
ولهذا الفنان المصري في الخط العربي عدة دراسات لافتة مثل كتابه :"جمال الخط العربي..دراسة فنية تحليلية تعليمية" والذي ركز فيه على "خط الثلث" فضلا عن كتاب آخر بعنوان :"جمال الخط الفارسي..دراسة فنية تحليلية تعليمية".
وإذ يلتقي عشاق الموسيقى والطرب الأصيل مع المهرجان السنوي للموسيقى العربية في دورته السادسة والعشرين الذي يستمر حتى منتصف الشهر الحالي في حدث يوصف بأنه يعزز الحفاظ على الموروث والهوية العربية فان الخط العربي كفن أصيل يقوم أيضا بدور كبير على هذا المضمار.
فالخط العربي من الفنون الراسخة في التعبير عن الهوية العربية بقدر ما يعبر عن حالة نادرة من حالات الفن البصري المعاصر بعد أن اتجه مبدعوه للتجريد وإقامة علاقات تشكيلية متفردة بين سمو الحرف العربي وشموخه وقدرته على المد والبسط والاستدارة والاستطالة والتضاغط والتخلخل.
كما تتجلى هذه العلاقات التشكيلية بين كتلة الحرف العربية المصمتة والمشحونة بالحركة أحيانا وبين الفراغ المحيط بها ناهيك عن قدرة الحرف العربي على إقامة علاقات متفردة ومدهشة بين الظل والنور والخط واللون في تناغم موسيقي صوفي حالم.
ومن هنا لم يكن من الغريب أن يكون الخط العربي موضع حفاوة في مهرجان الموسيقى العربية الذي تتوزع أنشطته في عدة مواقع ومدن ويقدم عروضه على مسارح متعددة ما بين المسرح الكبير والصغير في دار الأوبرا ومسرح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية فضلا عن مسرح أوبرا الأسكندرية وأوبرا دمنهور.
وفي الاتجاه ذاته جاء معرض الخط العربي : "ترانيم السلام" الذي عقد بالمركز المصري للتعاون الثقافي الدولي التابع لقطاع العلاقات الثقافية الخارجية في وزارة الثقافة لتتناغم إبداعات وخطوط الفنانة البولندية ايزابيلا ايخمان مع الفنان المصري صلاح عبد الخالق مع أنغام البيانو التي عزفها الدكتور رامي كامل الأستاذ بكلية التربية الموسيقية.
واللوحات الفنية للخط العربي التي اقتربت من الثلاثبن لوحة في هذا المعرض جاءت بمثابة "رسالة سلام للعالم ودعوة للتفاعل السلمي بين الحضارات والحوار بين الثقافات".
ويحق أيضا لكيان ثقافي آخر هو "بيت السناري" التابع لمكتبة الأسكندرية أن يعتبر روائع الخط العربي رسالة جمال وسلام للعالم قاطبة كما انه اثر في فنون أخرى وتأثر بها كما تجلى في معرض لفنون الحرف العربي الذي احتضنته القاهرة بعنوان :"جمال وسلام" وأقيم بالتعاون مع الجمعية المصرية للخط العربي والنقابة العامة للخطاطين .
وهذا المعرض الذي اختتم مؤخرا جزء من جهود ثقافية نبيلة لتصحيح الصورة الخاطئة التي صدرتها جماعات الإرهاب والتطرف للعالم عن الإسلام وتقديم الصورة الصحيحة عن سماحة الإسلام ووسطيته بقدر ما أوضح سبل استخدام فنون الخط العربي في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة فضلا عن قصائد الشعر ومخزون الحكم في التراث العربي.
وبرهن الخط العربي كفن على مدى جاذبيته بمشاركة العديد من الفنانين الأجانب في هذا المعرض الذي شارك فيه نحو 50 فنانا من بينهم من جاء من فرنسا وإيطاليا وتايلاند وان تكون العلاقة بين الخط العربي وفنون أخرى كالفن التشكيلي موضع اهتمام في ندواته وورش العمل.
وهكذا شارك خطاطون أجانب في هذا المعرض "ببيت السناري" في حي السيدة زينب القاهري مثل الإيطالية انتونيلا ليوني التي تدرس بأكاديمية الخط العربي وزميلها الفرنسي فليكس جان إلى جانب خطاطين مصريين برعوا في هذا الفن مثل أحمد عبد العزيز وصلاح عبد الخالق وإبراهيم بدر وإسلام الصعيدي.
و"بيت السناري" الذي استضاف معرض "جمال وسلام" لفن الخط العربي هو ذاته الذي احتضن في شهر أكتوبر الماضي المعرض الاستعادي لأعمال فنان الخط العربي الراحل حامد العويضي في ذكرى مضي تسع سنوات على رحيله عن الحياة الدنيا كما واكب الذكرى الستين لميلاده.
وحامد العويضي الذي كان صحفيا بمؤسسة الأهرام يشكل علامة مضيئة وخالدة في فن الخط العربي حيث سعى في أعماله ولوحاته لتحرير الحرف العربي من قيود الزخرفة التقليدية ليتحول الى عنصر فاعل على المستوى التشكيلي.
وهو صاحب لمسات جمالية في عناوين صحف ومطبوعات متعددة مع نزعة أصيلة نحو "الفن الفطري" وكانت الصحافة بابه نحو فن الخط الذي عبر به عن ذاته المصرية المبدعة والطيبة.
ولعل روحه تبارك هذا الزخم لفن الخط العربي في القاهرة وأرض الكنانة خلال العام الحالي عبر معارض وملتقيات متعددة فيما شهدت قاهرة المعز في شهر أغسطس الماضي "الملتقى الدولي الثالث لفنون الخط العربي" وحملت دورة هذا الملتقى الذي شارك فيه فنانون أجانب الى جانب الفنانين المصريين والعرب اسم شيخ الخطاطين المصريين الراحل محمد عبد القادر الذي قضى عام 1997.
وفنانة الخط العربي ايزابيلا ايخمان التي شاركت مؤخرا في "معرض ترانيم السلام" سبق وان شاركت في معرض للخط العربي بالمركز الثقافي المجري في القاهرة عام 2012 وهي تبرهن بإبداعاتها التي تتضمن آيات قرآنية على عشق فنانين أجانب لجماليات الحرف العربي.
وبعض المتاحف الكبرى في العالم كالمتحف البريطاني تحرص على اقتناء مجموعات من لوحات فن الخط العربي وما يعرف "بالتشكيليين الحروفيين" فيما يمضي الجيل الحالي من فناني الخط العربي في مصر قدما مطورين بتعبيرات ابتكارية عطاء الآباء في هذا الفن ومستندين لمخزون ثقافي حاشد بالذاكرة الحروفية ليقدموا للعالم الخط العربي كفن يجمع بين الأصالة والمعاصرة دون أدنى تناقض أو افتعال.
وكانت مكتبة الأسكندرية قد كشفت عن توجه لدعم فن الخط العربي وأعلنت في هذا السياق أن المعرض الذي أقيم في "بيت السناري" سيعقبه برنامج كبير لدعم هذا الفن واستضافة مبدعيه حول العالم في مصر مؤكدة أهميته في مواجهة الارهاب والتطرف.
والبولندية ايزابيلا ايخمان التي قدمت إبداعاتها في "معرض ترانيم السلام" بالمركز المصري للتعاون الثقافي الدولي ترى ان تعدد جنسيات الخطاطين المشاركين في معارض الخط العربي عامل مهم ومطلوب لإبراز فكرة دور فن الخط في خدمة السلام والتعايش والتفاهم بين كل شعوب العالم بينما رأى الفنان صلاح عبد الخالق أن فن الخط العربي يحمل رسالة سلام ومحبة للعالم.