• محفوظ عبدالرحمن


تقرير: حسام إبراهيم

برحيل المبدع المصري محفوظ عبد الرحمن الذي ووري جثمانه الثرى أمس "الأحد" تكون الدراما التلفزيونية التاريخية ، قد فقدت شاعرها الكبير كما فقدت الجماعة الثقافية المصرية احد فرسانها النبلاء الذين تجسد سيرهم في الحياة بحق "أخلاق الكبار".
وكان وزير الثقافة حلمي النمنم في مقدمة المشاركين في جنازة محفوظ عبد الرحمن الذي قضى أمس الأول "السبت" عن 76 عاما وشارك حشد كبير من المثقفين والفنانين في تشييع جثمانه أمس ملفوفا بعلم مصر لمثواه الأخير فيما سادت حالة من الحزن البالغ بين الكثير من المثقفين العرب حيال رحيل هذا المبدع المصري بتكوينه العروبي وهمومه القومية التي تجلت في إبداعاته سواء على مستوى الدراما التلفزيونية والسينمائية أو المسرح والقصة والرواية.
وسواء على مستوى مصر أو العالم العربي ككل ، سادت أيضا حالة من الاتفاق على أن محفوظ عبد الرحمن وان كان قد رحل بالجسد فانه لن يغيب بإبداعاته وخاصة على مستوى الدراما التلفزيونية التي ترك فيها علامات خالدة مثل "بوابة الحلواني" و"ام كلثوم".
ومن هنا قال وزير الثقافة حلمي النمنم في سياق نعيه للمبدع محفوظ عبد الرحمن "إن الفقيد رحل بجثمانه الى الرفيق الأعلى لكنه لايزال بيننا بأعماله وابداعه"بينما كان لهذا المبدع الكبير تآملات في قضايا الحياة والموت فقال في سياق مقابلة صحفية:"عشت اكثر مما أرغب وانتظر الموت".
بل وذهب هذا المبدع النبيل الى أن "اجمل لحظة في الحياة هي الموت" معتبرا ان "التفكير في الموت وانتظاره" لا يعني أبدا انه متشائم فقضايا الموت حاضرة في الوجود الابداعي لكتاب كبار في الغرب أيضا.
وكان محفوظ عبد الرحمن قد ذكر انه طلب من أسرته عدم اقامة سرادق عزاء له لأنه لا يود ان تكون لحظة وداعه "مسألة تقليدية" أو أن يتسبب في إجهاد الناس لكن أسرته رفضت هذا الطلب تماما.
وأضاف:"الشيء المدهش أنني رغم أن فكرة الموت لا تخيفني لكنني أخاف أن افقد الناس وأصعب شيء في حياتي حينما أتلقى خبر وفاة احد المقربين لي" معيدا للأذهان ان تلقيه خبر وفاة الكاتب أسامة انور عكاشة الذي قضى في الثامن والعشرين من مايو عام 2010 وهو من أصدقائه المقربين كان "أمرا مروعا" له.
وصاحب العمل الدرامي التاريخي :"الكتابة على لحم يحترق" والذي قال ذات يوم :"الكاتب ينبغي ان يكتب مثلما يغني أو يرقص او يطير"حظي بإعجاب وتقدير النخب ورجل الشارع الشارع معا على امتداد العالم العربي برؤيته القومية النبيلة وانحيازاته الأصيلة للقيم الجمالية والأخلاقية.
ودعا محفوظ عبد الرحمن للاهتمام "بالمضمون الفكري للدراما التلفزيونية" ومراعاة معايير الجودة لافتا لضرورة التفات صناع الدراما للقضايا الإنسانية والتي تهم المجتمع مع الابتعاد عن الابتذال والعنف او اثارة الغرائز.
ومحفوظ عبد الرحمن الذي تبنى مفاهيم "الدراما الاجتماعية" حصل على "جائزة النيل" في مجال الفنون وهي أعلى جائزة ثقافية مصرية في عام 2013 وتخرج في قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة القاهرة عام 1960 وتنوعت وتعددت إبداعاته ما بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون فيما عمل في عدة اصدارات صحفية من بينها اصدارات لدار الهلال قبل ان يتجه للعمل بوزارة الثقافة اعتبارا من عام 1963 ولم يخل اختياره من دلالة عندما رحب بالعمل في قسم الوثائق التاريخية .
وكذلك لم يخل اول سيناريو لمسلسل تلفزيوني بقلمه من دلالة عندما اختار في مطلع سبعينيات القرن العشرين قصة "العودة من المنفى" التي يتناول فيها القاص والمبدع الراحل ابو المعاطي ابو النجا شخصية المناضل عبد الله النديم.
وصاحب أفلام "ناصر 56" والعندليب" أو"حليم" و"القادسية" وعدة أفلام تسجيلية وقصيرة رأى أن "مخاطبة الآخر قضية مهمة جدا وان السينما من اهم العناصر في هذا الخطاب" فيما كانت الكاتبة والناقدة سميرة ابو طالب قد أصدرت كتابا عن السيرة الذاتية لهذا المثقف المصري الكبير بعنوان:"محفوظ عبد الرحمن..مقاطع من سيرة ذاتية" .
وترى أبو طالب ان محفوظ عبد الرحمن نموذج "للمثقف المقاوم للمخاطر التي تحيط بالكيان العربي سواء على مستوى البشر او الحجر" موضحة انه "صاحب الكلمة الثائرة والرافضة للأوضاع العربية المترهلة" فيما يرتكز على منظومة قيم ثقافية وطنية وإنسانية تسطع في قلبها قيمة الالتزام.
وتتجلى القيم الوطنية والإنسانية لهذا الفارس المصري النبيل في كتاباته للمسرح مثل :"غريب لبنت السلطان" و"حفلة على الخازوق" و"الحامي والحرامي" و"كوكب الفيران" و"الفخ" و"ما اجملنا" و"بلقيس" فيما عرف ايضا بروحه الايجابية في المجال الثقافي العام وهو مؤسس ورئيس مجلس ادارة "جمعية مؤلفي الدراما" وكان صاحب دعوة مستمرة تؤكد "أهمية التواصل بين الأجيال" كما انه جسد نموذج "الباحث الدؤوب بين الوثائق التاريخية والكتب".
ولمحفوظ عبد الرحمن الذي ولد في الحادي عشر من يونيو عام 1941 إبداعات في القصة القصيرة شكلت بدايات مسيرته الابداعية المديدة كما أنه صاحب طروحات نقدية في الأدب عرفت طريقها للنشر في العديد من الصحف والمجلات الثقافية فضلا عن عمله كسكرتير تحرير لمجلات "السينما" و"المسرح والسينما " و"الفنون".
ويتفق النقاد على أن عبد لرحمن ينطلق في ابداعاته المتنوعة والمتعددة من "روح المحبة ورصد الأثر الباقي الذي يمكث في الأرض وينفع الناس" مع التزام أصيل بالحفاظ على مصداقيته ككاتب مصري ينتمي لأرض الكنانة والأمة العربية.
والمجموعة القصصية الأولى للمبدع المصري محفوظ عبد الرحمن صدرت عام 1967 بعنوان :"البحث عن المجهول" بينما جاءت مجموعته القصصية الثانية عام 1984 بعنوان :"أربعة فصول شتاء" وقبل ذلك كانت روايته الأولى "اليوم الثامن" قد نشرت عام 1972 ونشرت روايته الثانية "نداء المعصومة" عام 2000 في جريدة الجمهورية.
وفيما باتت الدراما التاريخية "عنصرا أساسيا في الوجبة الابداعية التلفزيونية" يبقى محفوظ عبد الرحمن فارس الدراما التاريخية على الشاشة الصغيرة بأعمال خالدة في الوجدان المصري والعربي ككل شملت أكثر من 20 مسلسلا تلفزيونيا مثل:"سليمان الحلبي" و"بوابة الحلواني" و"عنترة" و"ليلة سقوط غرناطة" و"ليلة مصرع المتنبي" و"السندباد" و"أهل الهوى"ناهيك عن مسلسله الشهير"أم كلثوم".
وإذا كان محفوظ عبد الرحمن قد وصف "كوكب الشرق" أم كلثوم بأنها "وحدت الأمة العربية في السماع" فان هذا الكاتب الكبير برؤيته القومية وصياغته التلفزيونية التي تحلق لآفاق الشعر هو احد أهم من "وحدوا الأمة العربية في المشاهدة الدرامية التلفزيونية" فيما أعرب الراحل العظيم عن اعتقاده بأن "الدراما العربية متكاملة" وتمنى أن تكون هذه الدراما التلفزيونية العربية "كتلة واحدة في عصر العولمة".
و"الدراما التاريخية" عند محفوظ عبد الرحمن "مزيج من وقائع تاريخية ووقائع خيالية" ، وأوضح في مقابلة صحفية :"حتى المعلومات التاريخية انت تعيد تخيلها وتكتبها بأسلوب جديد" كما يلفت نقاد الى انه تناول التاريخ برؤية ناقدة وعينه على المستقبل .
ولا ريب ان "شاعر الدراما التاريخية التلفزيونية" كان لرأيه كل الأهمية في سياق الجدل الذي شهدته الساحة الثقافية المصرية في شهر رمضان الماضي حول الدراما التاريخية فيما تقترب رؤيته من الرأي القائل بأن "صانع الدراما التاريخية لا ينقل أحداثا ووقائع" فهو ليس "عملا توثيقيا" كما يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن "العمل الدرامي له معاييره الفنية والجمالية" ولا يجوز أن " نخلط بين التاريخ من حيث هو علم اجتماعي والدراما بصفتها عملا فنيا".
وثمة اتفاق عام بين جمهرة المثقفين المصريين على ان الدراما التلفزيونية أضحت من أهم العوامل التي تشكل "العروبة الثقافية الشعبية" فيما يرى البعض ان الدور الذي كانت السينما المصرية تنهض به على هذا المضمار قد انتقل للدراما التلفزيونية التي يشاهدها العرب من المحيط الى الخليج ومن ثم فهي لابد وان تقوم "بأدوار ثقافية ناعمة" لخدمة الأمة العربية والتفاعل مع هموم رجل الشارع في العالم العربي ككل.
وإذا كانت الدراما هي التي تنهض بدور كبير في تشكيل الوجدان المصري والعربي فمن نافلة القول إن محفوظ عبد الرحمن نهض بدور على هذا المضمار سيتوقف أمامه التاريخ الثقافي طويلا بالاجلال والتحية.
ولئن كان المبدع الغائب الحاضر محفوظ عبد الرحمن قد قال عن زوجته الفنانة النبيلة سميرة عبد العزيز :"اتنفس الحياة معها طوال الوقت" فيما وصفته هي في فيلم تسجيلي قصير بأنه "اجمل هدية أهداها الله لها" ، فالعزاء لهذه الفنانة المصرية الكبيرة وسط أحزانها بعد رحيل رفيق العمر الجميل انه باق بروحه وإبداعاته.
محفوظ عبد الرحمن :أيها الشامخ بتواضع الكبار سيبقى ابداعك حاضرا وشاهدا على مبدع مصري كبير تبكيه العروبة لكنها ستعود دوما لصفحته المضيئة في تاريخ الدراما العربية.