• صور رمضان


كتب:حسام ابراهيم
يشكل شهر رمضان الفضيل بنفحاته الايمانية المباركة منبعا متجددا للحنين وموئلا لذكريات وطرائف الكثير من المثقفين المصريين والعرب.
واذ اعلنت دار الافتاء المصرية ان اليوم "السبت" هو اول ايام شهر رمضان يقول فضيلة المفتي الدكتور شوقي علام ان هذا الشهر الكريم يمثل غاية كبرى وامنية منشودة للصالحين يتمنون على ربهم بلوغها وادراك هذا الزمان المبارك وهو موسم خير وفضل وميدان للتنافس في العمل الصالح واستباق الخيرات.
ولئن اعتبر الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة شهر رمضان فرصة للتأمل والاقتراب من الذات والسفر في اعماق النفس منوها بأن "التأمل من ارقى صفات البشر" فان تأمل الذكريات الرمضانية يفضي لادراك معنى وخصوصية "رمضان المصري" حيث الفرحة والبهجة والانتصار للحياة بروح المؤمن والمتطلع دوما لرحمة الله .
ولعل حقيقة الاسلام كدين للرحمة والتسامح تتجلى في الحياة المصرية وتراحم المصريين وخاصة خلال شهر رمضان فيما قد يعقد البعض مقارنات بين الماضي والحاضر ضمن استدعاء ما يعرف "بذكريات الزمن الجميل" عندما كانت الحياة اكثر بساطة واكثر نزوعا نحو "الدفء الأسري".
وللكاتب الراحل جمال الغيطاني تآملات رمضانية خلابة . ومن بينها طرح كتبه بعنوان :"متتاليات رمضانية" يستدعي فيه ذكرياته عن الشهر الكريم ويقول :"في طفولتي والرحلة لاتزال في بدايتها كنت انتظر قدوم اول ايامه كما انتظر حلول ضيف عزيز يصحب معه كل جميله".
وربما لم يكن الغيطاني وحده في طفولته هو الذي تصور رمضان "شيخا مهيبا كل مايمت اليه ابيض" ولعل البعض ايضا استمروا مثل هذا الكاتب الراحل العظيم "دون ان يبدلوا الهيئة الآدمية التي تصور الشهر الكريم كشيخ طيب الملامح ابيض الثياب ويثير البهجة في نفوس الجميع".
وفيما كان يسكن ايام طفولته في حارة عتيقة من حارات القاهرة القديمة ، فان اول شعور كان يراود جمال الغيطاني مع حلول شهر رمضان هو ذلك "الشعور العميق بالاطمئنان حيث تحبس العفاريت وامكانية اللعب والمرح الى ساعة متأخرة من الليل".
ويستدعي "الحاضر الغائب جمال الغيطاني" حتى "الذكريات الغذائية الرمضانية" مثل "الزبادي الذي يعد من لوازم السحور وكان يباع في آوان صغيرة من الفخار تسمى بالسلطانية ومذاقها بالتأكيد مختلف عن الزبادي المعبأ الآن في ورق مقوى وينتج بكميات كبيرة" اما الحلوى فتتحول من طبق استثنائي في الأيام العادية الى ثابت من الثوابت الرمضانية سواء كانت "كنافة او قطايف".
وفيما تحل تقترب الذكرى ال44 لحرب العاشر من رمضان ، فان جمال الغيطاني الذي عمل كمراسل حربي اثناء تلك الحرب التحريرية المجيدة استدعى ضمن ذكرياته الرمضانية اصرار المقاتلين المصريين على القتال وهم صائمون رغم صدور فتوى بالافطار كما استدعى "الوجبة الرمضانية الجاهزة" التي وفرتها شركات القطاع العام حينئذ للمقاتلين في الشهر الفضيل وكانت تحوي كل المكونات الغذائية الرمضانية التي يعشقها المصريون بما في ذلك "المخلل".
فهذا الشهر الفضيل يستدعي دوما بكل الفخر يوم العبور المصري في العاشر من رمضان 1973 وملامح الحياة في مصر التي عبرت الهزيمة لتحرر ارضها المحتلة في سيناء وتواصل الانتصار لقيم الحق والخير والجمال.
وبطابع الحال يلح "المسحراتي" على ذاكرة "الغائب الحاضر جمال الغيطاني" شأنه شأن كل المصريين وهو يمضي بالنداء المنغم :"اصحى يانايم..قوم وحد الدايم" وهو نداء له سحره عند الأطفال على وجه الخصوص والذين تغمرهم السعادة عندما ينادي المسحراتي في طوافه الليلي الرمضاني باسمائهم ناهيك عن "فانوس رمضان" الذي يعد "ظاهرة قاهرية قديمة وربما يعود عصره الى العهد الفاطمي" كما يقول حسن عبد الوهاب في مؤلف صغير طريف عن "رمضان المصري".
وقد يكون شهر رمضان الكريم محفزا لاستدعاء الطرائف كما فعل الكاتب العراقي الأصل خالد القشطيني فراح يتحدث بعذوبة عن الشاعر حسين شفيق المصري "وشعره الحلمنتيشي" واقدامه في هذا الشعر على معارضة المعلقات السبع بقصائد سماها "المشعلقات" !.
ولأن الجوع والعطش في الصيف القائظ امر قد يثير اعصاب البعض ويتسبب احيانا في مشاحنات فقد اوحى ذلك للشاعر الحلمنتيشي حسين شفيق المصري بكتابة "مشعلقة" ينافس فيها قصيدة ابي العتاهية الشهيرة بمطلعها:"آلا مالسيدتي مالها..أدلا فأحمل دلالها".
وهكذا كتب حسين شفيق حسين المصري في معارضته لقصيدة ابي العتاهية :"ألا مالسيدتي مالها ؟..أدلا فأحمل ادلالها..اظن الولية زعلانة وماكنت اقصد ازعالها..أتى رمضان فقالت هاتولي زكيبة نقل فجبنا لها..ومن قمر الدين جبنا ثلاث لفائف تتعب شيالها".
ويمضي خالد القشطيني في استدعاء الطرائف الرمضانية لينقل عن حسين شفيق المصري قوله في هذه "القصيدة الحلمنتيشية" :"وجبت صفيحة سمن وجبت حوائج ماغيرها طالها..فقل لي على ايه بنت الذين بتشكي الى اهلها حالها" ؟!.
ولئن كان لشهر رمضان تأثيره الكبير على طفولة وتشكيل الكثير من المثقفين المصريين والعرب، فالحقيقة ان الذكريات الرمضانية جزء اصيل من الثقافة المصرية..فرمضان المصري لدى اجيال واجيال يعني الشيخ محمد رفعت بقراءته القرآنية التي تنعش اوتار القلوب وتواشيح النقشبندي والفشني وفوازير آمال فهمي وصلاح جاهين والف ليلة وليلة لطاهر ابو فاشا.
وقد يتجلى اكثر وأكثر معنى "رمضان المصري" وروائح البهجة مع تأمل عنوان كتاب لأحد الآباء الثقافيين المصريين والعرب وهو جلال الدين السيوطي صاحب "اللطائف في الكنافة والقطائف" ، وهو كتاب عن الحلويات الرمضانية التي يعشقها المصريون بقدر ما يشكل اشارة لمدى ثراء الذاكرة الثقافية الرمضانية المصرية.
وجلال الدين السيوطي الذي ينتسب لمدينة أسيوط ولد عام 1445 وقضي عام 1505 وهو صاحب مؤلفات مهمة في الفقه والتفسير والتاريخ وقام برحلات ثقافية عديدة في مشرق الأمة ومغربها حتى بات من ابرز مثقفي النصف الثاني من التاسع القرن الهجري وله مقام يحمل اسمه في اسيوط.
ولن يكون من الغريب ان تتحول ذكريات رمضان الى انشودة حب لمصر والمصريين كما هو الحال في كتابة اديب سوداني الأصل عاش تكوينه في مصر ويقيم منذ سنوات في النمسا كأكاديمي ومثقف بارز وهو طارق الطيب الذي كتب عن "رمضان في فيينا" فاذا به في الواقع يكتب عن "رمضان في القاهرة"!.
واذا بطارق الطيب يقول :"من اكثر الأحاسيس التي تذكرني بمعنى كلمة وطن الاحساس الوجداني الطبيعي التراكمي لشهر رمضان في القاهرة وسط الأهل والأصدقاء قبل اكثر من ربع قرن وعلى مدى ربع قرن".
ولئن كان طارق الطيب قد رسم لوحة قلمية بديعة لرمضان في القاهرة فقد تناول في الواقع خصائص "رمضان المصري" مستعيدا صوت المسحراتي الباقي في وجدانه حتى الآن والفوانيس الملونة التي حملها وهو طفل صغير وزينة رمضان في الحارات التي كانت تربط شرفات الناس بالألوان والبهجة ليخلص الى ان "اجواء رمضان في مصر كانت اجواء ثرية ولها مذاق لايبارى".
و"رمضان المصري" يعني "الفانوس ابو شمعة المصنوع من الصفيح" والقص الجميل واروع السير سواء في المدن او اعماق القرى البعيدة في الصعيد والدلتا حيث كان الغناء يتصاعد في الأيام الخوالي :"افطر ياصايم على الكعك العايم" اي الكعك "العائم في السمن" !.
وكعك العيد الذي يخبز في رمضان عادة مصرية خالصة ترجع لعصر الدولة الطولونية والفاطميين الذين خصصوا لصناعته وتوزيعه ادارة رسمية في دولتهم بمصر حملت اسم "دار الفطرة" كما تقول كتب التاريخ وكما يشهد متحف الفن الاسلامي بالقاهرة الذي يحوي قوالب للكعك نقشت عليها عبارات دالة مثل :"كل واشكر مولاك" و"كل هنيئا واشكر".
و"النكهة الرمضانية" مصرية غالبا حتى لكثير من غير المصريين و"رمضان المصري" يعادل حي الحسين الذي لايكاد يكتمل الشهر الفضيل بالنسبة لكثير من المصريين والعرب والأجانب دون قضاء ليلة في رحاب وعبق هذا الحي القاهري مابين المسجد الحسيني والجامع الأزهر وخان الخليلي.
فما زال حي الحسين علامة رمضانية مصرية بامتياز بحلقات الانشاد الديني والمقاهي ومشغولات الحرفيين المهرة فيما امسى شارع المعز لدين الله تحفة للناظرين وبهجة للساهرين بين جنباته التي تعود للعصر الفاطمي والبيوت والأسبلة والوكالات التجارية العتيقة.
وثقافة الوسطية المصرية التي تتجلى في شهر رمضان الفضيل تتبدى بأبعادها الايمانية وذائقتها الجمالية في الابداع المصري في فنون التلاوة القرآنية والتفاف المصريين للانصات لأصوات جميلة في عالم التلاوة وفي مقدمة هذه الأصوات الخالدة محمد رفعت وعبد الباسط عبد الصمد ومصطفى اسماعيل.
وهاهو طارق الطيب يقول :"الأصوات المرتبطة بشهر رمضان لاتنسى : صوت الشيخ محمد رفعت وصوت النقشبندي ونصر الدين طوبار وعبد المطلب في "اهلا رمضان" ويتساءل :"فهل للجيل الجديد اصواته الرمضانية التي يحتفظ بها وهل ستكون له حاسة صوتية اخرى تستند اليها ذاكرته حين يسير به الزمان في الزمان او حين ينقله المكان الى مكان"؟!.
وواقع الحال ان "رمضان المصري" او هذه الظاهرة المصرية الأصيلة تكشف عن حقيقة الروح المصرية العاشقة للجمال كمنحة ربانية وهبها الخالق للبشر وتطلع المصريين دوما للسماء طالبين عون ورحمة الواحد الأحد واحتفالهم في الوقت ذاته بالحياة والسعي لمنحها معان تتسق مع المواريث الحضارية المتراكمة على ضفاف النيل.
ولأن المصري مؤمن بالفطرة فهو يرفض اليأس ولايتخلى ابدا عن يقينه في رحمة الله التي وسعت كل شيء..انه المصري الذي يحمل البهجة وعشق الجمال لأن الله جميل يحب الجمال كما يردد المصريون دوما.
والرئيس الراحل انور السادات كان في الواقع صاحب "الخلطة السحرية" لدعاء او اغنية دينية شهيرة اقترنت بشهر رمضان وهى اغنية "مولاى" فهو الذي اقترح فكرة التعاون بين الموسيقار الراحل بليغ حمدي والمنشد العظيم سيد النقشبندي.
كانت "مولاى" واحدة من اربعة موشحات او ادعية دينية شارك فيها الثلاثى بليغ حمدى كملحن وسيد النقشبندى كمنشد وعبد الفتاح مصطفى كشاعر وحملت الموشحات الثلاثة الاخرى عناوين :"اقول امتى..ويارب..ولاالله الا الله".. لكن انشودة "مولاى" هى التى استأثرت بالقدر الأكبر من الاعجاب وظلت تزداد سحرا بمرور الزمن وتفيض العيون دمعا كلما انساب صوت الشيخ سيد النقشبندى بكلمات عبد الفتاح مصطفى التى لحنها بليغ حمدى.
ووصف هذا التعاون بين الملحن والمنشد والشاعر بأنه "خلطة سحرية كان يقف خلفها الرئيس الراحل انور السادات..ولم لا ؟!..الم يكن رئيسا لشعب يعشق كل ماهو جميل ويمنح قيمة مضافة لكل شيء ؟!.
من الذي يمتلك فطرة نقية وذائقة سليمة ولايعشق اصوات مقرئين مصريين مثل محمد رفعت ومصطفى اسماعيل والشعشاعي والحصري وعبد الباسط والمنشاوي والبنا ..اصوات كأنها الحان من السماء لأهل الأرض" وخيوط من وجد وبهجة تحمل رسالة السماء للأرض وصفحة خالدة في قصة "رمضان المصري". انها قصة شعب مؤمن ومنتصر للحياة .