• استرداد أراضي الدولة


كتب:حسام ابراهيم

وسط شعور واضح بالارتياح وعلى قلب رجل واحد ، يقف المثقفون المصريون مؤيدين لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي للمسؤولين وكل الجهات المعنية باستعادة اراضي الدولة المنهوبة خلال شهر مايو الجاري ومتفقين على أن التصدي لاستيلاء البعض على اراضي الوطن بغير وجه حق هو "اعلاء لثقافة الحق".
وعلى مدى الأسبوع الأخير ، توالت طروحات مثقفين مصريين مشيدين بقرار الرئيس السيسي بانهاء ظاهرة وضع اليد على الأراضي ورد استحقاقات المصريين في ثروات وامكانات بلدهم فيما يتسق هذا التوجه المصري على أعلى المستويات مع الاتجاهات الجديدة في ثقافة الحق والعدالة.
وقالت الكاتبة والأديبة سكينة فؤاد إن المصريين قد أسعدهم القرار وما يحمله من رسائل بالغة الأهمية مؤكدة ان اليوم الذي اعلن فيه رئيس مصر الحرب على غيلان ووحوش نهب اراضي المصريين " هو "يوم مختلف في تاريخ مصر".
وأعربت عن ثقتها في ان قرار الرئيس الذي اتخذه في "المراشدة" بمحافظة قنا "لم يكن وليد لحظة غضب ولكن قراءة عميقة لآلام المواطن الأكثر استحقاقا للعدالة وللحماية انتظر اللحظات المناسبة لاعلانها".
وفيما تواصل الصحف ووسائل الاعلام التغطية الصحفية والاعلامية لحملات استرداد اراضي الدولة التي تجري في جميع المحافظات على قدم وساق أوضح الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة ان الحكومة الحالية لا تتحمل مسؤولية الفساد في ملف اراضي الدولة لأن هذه القضية ليست وليدة اليوم وانما تعود لسنوات طويلة سابقة.
ورأى أن نقطة البداية لمعالجة القضية تتمثل في دراسة موضوعية ومراجعة الاجراءات والممارسات الخاطئة في الماضي والتي افضت للاعتداء على الأراضي والاستيلاء عليها بغير سند قانوني.
وكانت تقارير صحفية قد اشارت لوجود تعديات صارخة على اراضي الدولة يجري الآن ازالتها بعد التوجيهات المشددة للرئيس السيسي فيما افضت الحملات المستمرة لقوات انفاذ القانون لاستعادة ملايين الأمتار وآلاف الأفدنة.
واذ يربط جويدة بين هذه القضية واستعادة العدالة ، نوه كثير من المثقفين بأن قرار الرئيس وتوجيهاته للجهات المعنية باستعادة اراضي الدولة المنهوبة وازالة التعديات قبل نهاية الشهر الحالي يشكل "اعلاء لدولة القانون" مؤكدين في تعليقات بالصحف ووسائل الاعلام أن "اموال الدولة هي اموال الشعب وثرواته".
وقال المحلل والمعلق الدكتور اسامة الغزالي حرب ان الرئيس عبد الفتاح السيسي هو "رئيس الانجازات" منوها بأهمية الزيارات الميدانية للرئيس والقضايا التي تناولها سيادته في زيارته الميدانية الأخيرة لقرية المراشدة بمحافظة قنا ومن بينها "قضية اراضي الدولة ووضع اليد عليها بأساليب غير قانونية".
واتفق العديد من اصحاب الطروحات الثقافية على ان حق الدولة ان تفرض سلطتها على الجميع وان تحمي اراضيها من واضعي اليد ومخالفي القانون فيما نوه معلقون بجدية الحكومة في تنفيذ قرار ازالة التعديات قبل انتهاء المهلة التي حددها الرئيس السيسي.
وقال الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة :"لقد فتح الرئيس السيسي أهم الملفات وعلى الأجهزة الرقابية ان تكمل المسار وتعيد للشعب حقه الضائع" فيما اعاد للأذهان ان هذه القضية كانت في الماضي "من الأسرار التي لايقترب منها احد".
واذا كانت الحكومة قد التزمت بالشفافية مؤكدة أن "الكل سواسية امام القانون" فان هذا التوجه يعزز ثقافة الحق والعدالة فيما تستقبل المكتبة الغربية جديد الكتب في ثقافة العدالة.
وهناك كتابان احتلا موقع الصدارة في الفكر السياسي الغربي في هذا السياق هما :"جمهورية افلاطون" وكتاب الفيلسوف السياسي الأمريكي جون راولز الذي صدر عام 1971 بعنوان "نظرية في العدالة".
ويقول ديفيد جونستون استاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا في كتاب جديد عنوانه "مختصر تاريخ العدالة" ان هناك من يغفل ان افكار العدالة كانت منتشرة تاريخيا على نطاق واسع في اوساط كثير من الناس ممن هم ليسوا مفكرين محترفين طوال حقب التاريخ المدون وعبر ثقافات لايمكن حصرها .
وهذا الكتاب الجديد يرى أن العدالة "مفهوم فكري" ويتطرق للعلاقة التاريخية بين الحاكم والمحكوم ضمن اطار من العدالة والمساواة ويتعقب تطور الفكرة الأساسية للعدالة منذ العصور القديمة الى راهن المرحلة ويشكل على الرغم من عنوانه الموحي بالاختصار مسحا شاملا لفكرة العدالة ويستعرض اراء المفكرين الذين تبلورت عبر جهودهم الفكرية مفاهيم العدالة مثل افلاطون وارسطو وتوماس هوبز وآدم سميث وجون ستيوارت مل وامانويل كانط وجون لوك.
وفي طرح نشرته جريدة الأهرام حول "ملكية الأرض" ، قال الدكتور مصطفى الفقي المدير الجديد لمكتبة الإسكندرية ان للفيلسوف السياسي جون لوك نظرية شهيرة حول مايسمى "المحتل الأول" اي اول من وجد على الأرض في منطقة معينة ، كما اعاد للأذهان ان آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" يعطي الأرض منزلة خاصة بين وسائل الانتاج.
واضاف :"وكأنما كان جون لوك يرى منذ عدة قرون المفهوم السائد في مصر حول ما يسمى وضع اليد" مشيرا الى ان "منطق القوة للسيطرة على بعض البقاع هو الذي حكم الأمر برمته" ، فيما شدد على ان "الأرض لأصحابها وليست للمحتل الأول وحده" فالشعوب هي مالكة المصير وصانعة الحياة ومشيدة المستقبل.
وكتاب "مختصر تاريخ العدالة" الذي لم يسهب في تناول العدالة القانونية بمفهومها الدقيق رغم انها الصيغة الأوضح التي يواجه الناس من خلالها شيئا يجسد العدالة في حياتهم اليومية اتجه للمسائل والقضايا ذات الطابع الثقافي الفلسفي وان كان قد تضمن ومضات بشأن "مفكري القانون" مع تركيز واضح على الغرب و"الأفكار الغربية عن العدالة" فيما يأمل المؤلف ديفيد جونستون ان يتيح كتابه الجديد "استنباط الأراء عن صورة العدالة في المستقبل".
ومن ابرز ملامح هذا الكتاب ذلك البعد المتمثل في اهتمام ديفيد جونستون بالعدالة الاجتماعية "كجزء من تصور اوسع عن العدالة" موضحا انه يدخل في صميم هذا التصور الجديد "مفهوم العلاقات الاجتماعية التي يحكمها الاحترام المتبادل والتعامل بالمثل بين المواطنين".
ويبدو ان هذه الفكرة تلح بشدة على مؤلف الكتاب الجديد حتى انه يقول "ستكون اي محاولة لتوقع الشكل الذي سوف تؤول اليه فكرة العدالة في المستقبل مجرد تخمين قابل للشك ولكن في وسعنا القول بشييء من الثقة ان الاحساس بضرورة التعامل بالمثل ضمن علاقات الناس ستكون السمة الاساسية في اي نظرية للعدالة تطرح مستقبلا ويراد لها ان تكون مقنعة".
ولم يكن الرواج الذي حققه كتاب "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" لأستاذ الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي في الغرب الا تعبيرا عن شوق جارف للانسان المعاصر للعدالة ورفض عارم "لعدم المساواة".
هو كتاب من النوع الذي يشخص المشهد ككل ويحاول الاجابة على الاسئلة الكبيرة مثل :"اين نحن والى اين نحن ذاهبون ؟" و"كيف تهدد الرأسمالية المنفلتة الديمقراطية وقيم عزيزة في الحضارة الغربية مثل الحرية والاخاء والمساواة؟" ثم "ماذا عن الفجوة الهائلة والآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء"؟! و"كيف ندير الاقتصاد" لصالح المجتمع ككل ؟".
ولم يبتعد كثيرا عن الحقيقة من قالوا ان علم الاقتصاد يتعامل اساسا مع "الأمل" و"الألم" وكيف نحقق آمالنا بأقل الآلام "كما ان قضية العدالة الاجتماعية خليقة بحوار فكري والتوصل لحلول مقبولة لها يتطلب الاطلاع على جديد الانتاج الثقافي في عالم مهموم بالقضية بل ويكاد يصرخ طلبا للعدالة فهي قضية ضاغطة عالميا كما هي ضاغطة مصريا وعربيا.
والاقتصادي والمفكر المصري سمير امين وصف النظام الذي ساد في مصر من قبل وأفضى لاستشراء ظاهرة الاستيلاء بغير وجه حق على أراضي الدولة بأنه "نظام رأسمالية المحاسيب" بينما اشار عالم الاقتصاد والمثقف المصري البارز الدكتور جلال امين الى الثراء الفاحش الذي حققته حفنة ضئيلة جراء انشطة كوضع اليد مثلا على اراضي الدولة.
والفلسفات الاقتصادية تتعدد وقد تتصادم غير انها تقدم رؤى وحلولا فيما الناخب هو الحكم عبر صناديق الانتخابات الحرة والنزيهة ومن ثم تدعو الضرورة لقراءة تجارب الشعوب والأمم فى خضم السعى لاستخلاص اجابات مباشرة وواضحة لاسئلة الواقع المصرى وتحدياته المعقدة وصياغة "عقيدة اقتصادية جديدة" واعادة صياغة البنية الاجتماعية-الاقتصادية لمصر بما يحقق التقدم المنشود.
والمؤكد أن الكثير من المثقفين لايمكنهم تجاهل بديهيات مثل ان الشعور بالعدالة يحفز حيوية العمل والاتقان وسرعة الانجاز فيما كان من الطبيعي ان يشعروا بالارتياح البالغ حيال قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي باستعادة اراضي الدولة وانهاء ظاهرة وضع اليد على الأراضي.
واذا كان استاذ الاقتصاد الفرنسي وصاحب كتاب "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" توماس بيكيتي يميز بوضوح "بين "خالقي الثروة وبين ناهبي الأصول" ويصنع فارقا واضحا "بين القطط السمان التي تلتهم المستقبل وبين رجال الأعمال واصحاب المشاريع الذين يفيدون المجتمع" ، فان هناك طروحات لمثقفين مصريين تؤيد الحملات المستمرة على مدار الساعة لاستعادة اراضي الدولة المنهوبة وترى ضرورة التفرقة بين هؤلاء الذين زرعوا الأراضي الصحراوية على مدى سنوات بالعرق والجهد المخلص ويتطلعون لتقنين اوضاعهم وبين اولئك الذين نهبوا اراض بممارسة السطوة وبغرض الاثراء الحرام .
وكانت الحكومة قد اوضحت انه سيتم تقنين اوضاع من يثبت جديته ويتقدم بطلب في هذا الشأن مؤكدة في الوقت ذاته انه ستكون هناك آلية لازالة اي تعديات بصورة فورية عبر الرصد بالأقمار الصناعية ولجان المتابعة على ارض الواقع.
انها ارض مصر تتوهج رموزا وطمأنينة الحق في الجذور..تلك ارض يرفع فيها النخيل بيارق الحق ومنك ياتراب الوطن بدأنا واليك نعود.