• يوم النكبة
  • يوم النكبة
  • يوم النكبة
  • يوم النكبة


كتب: حسام إبراهيم

القاهرة - في الذكرى التاسعة والستين للنكبة الفلسطينية التي راح ضحيتها وطن بأكمله تبدو الثقافة الفلسطينية مدركة لأهمية أسئلة المستقبل كما هي مدركة لخطورة الاستيطان.
وتأتي الذكرى الأليمة هذا العام وسط مؤشرات تؤكد أن الضمير الثقافي العالمي لم يسقط تماما قضية فلسطين من الذاكرة وها هي منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة "اليونسكو" قد أقرت مشروع قرار عربي يرفض السيادة الإسرائيلية على القدس ويؤكد أن هذه المدينة المقدسة "محتلة".
وكانت مصر وعدة دول عربية أخرى قد تقدمت بمشروع القرار الذي شدد على أن كل الإجراءات الإسرائيلية لتغيير طابع مدينة القدس ووضعها القانوني "باطلة" فيما نوه وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي بأن موقف اليونسكو يظهر الوقوف إلى جانب الحق في وجه الظلم والاحتلال والسياسات غير الشرعية.
وإذا كان الشاعر المصري فتحي عبد السميع قد وصف فلسطين بأنها "أم الجراح العربية"، فإن ذكرى النكبة الأليمة لا يجوز تحويلها لحائط مبكى فلسطيني أو عربي و اجترار المزيد من الأحزان والدموع، فيما قد يكون من الدال والإيجابي حقا ملاحظة أن الشعب الفلسطيني يدرك بوضوح أهمية البعد الثقافي في نضاله لاستعادة حقوقه المشروعة فيما تتزامن الذكرى هذا العام مع "احتفالية فلسطين للأدب" التي تختتم يوم الثامن عشر من شهر مايو الجاري وبدت مشغولة بأسئلة المستقبل.
وهذه الاحتفالية السنوية التي دخلت عامها العاشر بدأت دورتها الجديدة أمس الأول "السبت" انطلاقا من مدينة رام الله يشارك فيها إلى جانب الأدباء الفلسطينيين لفيف من الكتاب والمثقفين من دول شتى في العالم مثل الشاعرة والروائية الأمريكية ايلين مايلز ومواطنها الكاتب والأكاديمي جيلاني كوب والروائي البريطاني والكاتبة والروائية المصرية اهداف سويف والباكستاني الأصل نديم اسلم والشاعرة الأمريكية والايرانية الأصل سلماز شريف.
و"احتفالية فلسطين للأدب" التي تبحث هذا العام أسئلة تتعلق بالمستقبل إنما تنطلق في رؤيتها من حقيقة أن "العالم يتغير بسرعة ويتجه لنظام جديد ومن ثم ، هناك حاجة لبحث مستقبل الوطن والحدود والفن والكلمة" فيما تحضر القدس الى جانب الخليل بوضوح في اهتمامات وجولات المشاركين في الاحتفالية.
فهذه الاحتفالية الثقافية ما بين رام الله وبيت لحم والخليل والقدس ونابلس وصولا لحيفا والتي تستشرف آفاق الكتابة للمستقبل لم تغفل ما تشكله مخاطر الاستيطان من مخاطر وجودية للشعب الفلسطيني في أرضه تماما كما أنها تسعى لكسر الحصار الثقافي الذي يفرضه الاحتلال على الفلسطينيين.
وكان الكاتب والروائي الفلسطيني اياد برغوثي قد أوضح أن انشغال الاحتفالية هذا العام بأسئلة المستقبل قد يعبر عن القلق الفلسطيني حيال الحاضر بينما رأى الكاتب الفلسطيني الشاب غسان نداف أن هذا الانشغال باسئلة المستقبل يأتي في صلب دور الأدب والفن.

وواقع الحال أن الفكر السياسي العربي مدعو في الذكرى التاسعة والستين للنكبة لمزيد من الانتاج الثقافي حول العلاقة بين النكبة الفلسطينية وانتشار التطرف بما يعني ان "عودة الاستقرار للمنطقة العربية لن يتحقق الا باقامة دولة حقيقية للفلسطينيين وانهاء الصراع العربي-الاسرائيلي".
كما أن الفكر السياسي العربي مدعو لمزيد من فهم المعنى العميق الذي تقوم عليه إسرائيل تاريخيا وثقافيا وعقائديا.. فهي وإن كانت لاتزال دولة مغتصبة وعدوانية تحظى بدعم الغرب فإنه من الصحيح أيضا القول أن هذا الوصف بحاجة لمزيد من الإضاءة الداخلية وكشف الجديد من العلاقات الدالة مع المتغيرات المتلاحقة إقليميا ودوليا واتجاهات التغير عالميا.
ولئن كان المفكر الأمريكي التقدمي وعالم اللغويات نعوم تشومسكي لا يستبعد تحقيق سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين وفق حل الدولتين فإنه يشترط إصرار الولايات المتحددة على هذا الحل وسحب دعمها للاجراءات الاسرائيلية غير القانونية في الأراضي المحتلة .
وإذا كان تشومسكي اليهودي بحكم الديانة أحد أهم المفكرين المعاصرين على مستوى العالم الذين تصدوا لفضح أباطيل الفكر الصهيوني العدواني فقد رأى المحلل النفسي الأشهر سيجموند فرويد وهو منحدر من عائلة يهودية في النمسا ان المكون الأساسي للشخصية الصهيونية يتمثل في الاعتقاد على نحو كامل ومطلق بأنهم "شعب اختاره الله بين البشر جميعا ليكونوا شعبه المختار".
وهذا الاعتقاد ناقشه فرويد بصورة مفصلة في كتابه "موسى والتوحيد" معتبرا انه "يشكل ظاهرة فريدة في تاريخ الأديان" جعل الاسرائيليين حتى اليوم يؤمنون على نحو مطلق بأن "الحقيقة ملك لهم وحدهم ولا حق خارج ما يرون وما يفعلون حتى لو كان عدوانا غاشما على اقدس مقدسات الآخرين .

ولعل تلك الرؤية لفرويد قد تفسر على نحو ما ، ما يحدث من حين لآخر من تحرشات إسرائيلية بالمسجد الأقصى وهي تحرشات تصل أحيانا لحد العدوان الاستفزازي على حرمة المسجد، فيما تضرب جذور هذا الفكر الصهيوني المتطرف في ثقافة تؤمن بأن هجومهم على أعدائهم هو "هجوم إلهي من دولة تجسد ارادة السماء على الأرض"، وهو ما يفسر أيضا الكثير من الجرائم الدموية والوحشية الاسرائيلية منذ النكبة الأولى في فلسطين.
ولعل خطورة هذا النوع من الثقافة أنه لا يجعل مسألة الاعتقاد بهذا الاختيار الالهي مجرد إيمان خالص ينحصر بين الإنسان وخالقه وهو ما يمكن تفهمه وقبوله في سياق حق الإنسان في الإيمان الحر، وانما الأمر يتعدى ذلك كله ويتخطاه إلى العمل والممارسة فتبنى عليه دولة ويؤسس باسمه جيش ونظام وتبنى علاقات غير طبيعية بين الثقافات.
وكما قيل بحق فإن بعض القضايا تبدو على السطح وكأنها قضايا سياسية فقط ولكن التعمق فيها يكشف عن أنها فى الحقيقة قضايا ثقافية ترتبط بجوهر النظرة للعالم والوجود..فثقافة الاستعلاء الدموى والابادة والاقتلاع حاضرة بقوة ودموية فى فلسطين كما هى حاضرة فى الغضب المقاوم والثقافة المناوئة للمظلومية التاريخية.
واللافت ان مذابح النكبة لم تدفع - رغم كل دمويتها - الثقافة الغربية لإصدار كتاب على مستوى هذا الحدث الجلل والذى يشكل عدوانا لاريب فيه على الجوهر الإنسانى للإنسان أينما كان، فيما قد يكشف ذلك الموقف المغاير لمواقف غربية حيال قضايا أخرى لا تخص الفلسطينيين أو العرب ككل عن معنى "الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير".

ومن الملاحظات الدالة أيضا أن المجتمع الدولى كما تمثله الأمم المتحدة لم يشكل اى لجنة دولية للتحقيق فى مذبحة صبرا وشاتيلا التي وقعت في بيروت عام 1982 وأحجمت القوى الغربية المهيمنة على المنظمة الدولية عن أى دعوة لتشكيل مثل هذه اللجنة.
فثقافة الاستعلاء الدموى التى اسقطت ملايين الضحايا للحروب الاستعمارية فى اسيا وافريقيا واشعلت حربين عالميتين فى القرن المنصرم هى ذاتها الثقافة التى تؤازر من منطلقات ايديولوجية ونفسية وعوامل مصلحية الاحتلال الاسرائيلى للأرض العربية الفلسطينية وتهويدها.
وفى ظل أفكار كهذه قد يكون من قبيل التفاؤل المفرط الحديث عن احترام التعددية الثقافية والجوهر الإنسانى للإنسان أينما كان بقدر ما تثير تساؤلات مريرة حول تجاهل النموذج الثقافى الأحادى المهيمن على توجهات وسائل إعلام وصحف غربية تتشدق باحترام حقوق الإنسان لحقائق وتفاصيل النكبة الفلسطينية أو عدم نشرها بالصورة التى تتناسب مع فداحة ما حدث.
وهذه الثقافة هى وجه آخر لثقافة الإبادة المستمدة من "فكرة اسرائيل التاريخية" وهى فكرة "احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ" ليصبح صاحب الأرض غريبا فى أرضه بملامح نفسية شرحها المثقف الفلسطيني رجاء شحادة فى كتاب بالإنجليزية منذ أكثر من عقد كامل عنوانه :"غرباء فى البيت".
وفى كتاب صدر بالانجليزية بعنوان "يوميات الاحتلال" طرح المؤلف الفلسطينى رجاء شحادة رؤيته الغاضبة والآسيانة لحال وطنه فى ظل الاحتلال الإسرائيلى حيث المستعمرات اليهودية تتخلل ثنايا المشهد فى الضفة الغربية والطرق الالتفافية تفصل الفلسطينيين عن أراضيهم.
وقدم رجاء شحادة فى هذا الكتاب الذى يغطى بيومياته الفترة من عام 2009 وحتى عام 2011 رؤية تجمع بين الغضب والجمال ليحق وصف هذا الكاتب بأنه "رجل غاضب ومع ذلك فهو تأملى النزعة يكتب ببساطة وجمال رائعين".
إنه كائن معذب وغاضب ومقاوم على طريقته تماما مثل "حنظلة"، وإذا كان المحامى والناشط الحقوقى الفلسطينى رجاء شحادة غاضبا فى كتابه الصادر فى لندن حيال احجام حلفاء إسرائيل ومانحيها عن التحرك لمنع التمييز ضد الفلسطينيين فقد تناول فى كتاب سابق صدر بالإنجليزية أيضا بعنوان :"مشاوير فلسطينية" وحصل به على جائزة "اورويل" البريطانية لأفضل كتاب سياسى فى عام 2008 دور الغرب فى مساعدة إسرائيل على تحدى قرارات الأمم المتحدة.
وفى كتابه الغاضب بنبضات جمال- رأى رجاء شحادة ان احلام السلام والكرامة مازالت بعيدة عن الواقع بل إنها قد تتحول لكابوس احيانا بينما الفكر الصهيوني اليميني العدواني يشجع دوما أي ممارسات تقسيمية للخارطة العربية بدولها الوطنية ويستفيد من مظاهر انهيار الدولة الوطنية أو تآكل سيادتها وهو ما يتجلى في حرص رئيس الحكومة الإسرائيلية على القول بأن "سوريا لن تعود إلى ماكانت عليه من قبل".
وحتى تتحقق رؤية مثقف فلسطينى مثل رجاء شحادة فى أن كل ما يقيمه الاحتلال إلى زوال يوما ما كما زال كل احتلال من قبل فى التاريخ سيبقى الغضب وجرح الكبرياء وجمرات القضية ووجع المظلومية التاريخية وذاكرة النكبة ومقاومة الاغتصاب.
69 عاما على النكبة ومازالت ثقافة الاغتصاب والاستعلاء الدموى مستمرة و"حنظلة" مازال يقاوم ويستشرف المستقبل ولم ولن يستسلم..فى الذكرى التاسعة والستين للحدث الجلل في تاريخنا العربي المعاصر لم ننس المجازر والأمهات الذبيحات يحتضن أطفالهن الغارقين فى الدم، ولن يصمت ضمير كل مثقف شريف في هذا العالم حتى تعود الحقوق السليبة لأصحابها فى فلسطين.. حتى ينعم "حنظلة" بوطن مستقل مثل بقية البشر في هذا العالم.