• شبه جزيرة سيناء
  • جنود قوات مسلحة مصرية


في الذكرى الخامسة والثلاثين لتحرير سيناء : "جغرافيا الشهداء تتوهج في الثقافة المصرية

كتب:حسام ابراهيم

في الذكرى الخامسة والثلاثين ليوم تحرير سيناء التي تحل غدا "الثلاثاء" تتوهج "جغرافيا الشهداء" في الثقافة المصرية فيما باتت هذه الأرض المصرية التي لم تتعب أبدا من القتال ومنازلة العدو أمثولة في دحر الإرهاب الظلامي العميل لأعداء مصر والأمة العربية .

وهذه الذكرى المجيدة التي تأتي هذا العام فيما يواصل جند مصر البواسل حربهم الباسلة لتطهير كل سيناء من عناصر الإرهاب الظلامي تؤكد على حقيقة من ثوابت التاريخ ألا وهي أن إرادة المصريين استعصت دوما على الانكسار والهزيمة بقدر ما رسخت " الصمود والمقاومة والشهادة" في منظومة القيم التي ارتضاها الضمير الوطني المصري .

وهكذا أمست سيناء أمثولة "لجغرافيا الشهداء" بدماء الشهداء المصريين التي روت كل شبر في هذه الأرض المصرية في حروب ممتدة ضد الغزاة وصولا للحرب الحالية في مواجهة الإرهاب الظلامي العميل لقوى تتوهم إمكانية إخضاع إرادة مصر وارتهان قرارها الوطني عبر استنزافها بالممارسات الإجرامية الإرهابية والأفكار التكفيرية للثقافة الظلامية.

والمصريون في حربهم الحالية ضد الإرهاب الظلامي ومن يقف خلفه إنما ينتصرون لقيمهم وثقافتهم الوطنية التي انحازت دوما للاحتفال بالحياة ومقاومة أعداء الحياة وبقت وفية "للرسالة الحضارية وفكار التنوير التي حملها أقدم مجتمع إنساني للعالم" وهي حقيقة تقر بها الثقافة الغربية في كتب وكتابات وطروحات مثل كتاب "فجر الضمير" لعالم الآثار والمؤرخ الأمريكي جيمس هنري برستد الذي قضى في الثاني من ديسمبر عام 1935.

وإذا كان جيمس هنري برستد قد اثبت بالأدلة والبراهين الأثرية والتاريخية أن الحضارة المصرية هي مهد الأخلاق وموئل الحكمة ومنبع القيم الإنسانية المضيئة فها هي الكاتبة والأديبة سكينة فؤاد تقول ان المصريين يتحدون الآن الموت والغدر وإهدار دماء أبنائهم ومزارع الموت المنصوبة لهم بالاحتفاء بالحياة ليثبتوا أن إرادة الحياة فيهم لن يهزمها إرهاب أسود أو خفافيش ظلام.

ولعل المؤسسات الثقافية المصرية مدعوة لعقد ملتقيات وندوات حول مفاهيم البطولة على غرار ندوة أمريكية كانت مؤسسة "أبطال كارنجي" قد نظمتها فيما أثارت مناقشات المثقفين الذين شاركوا في هذه الندوة حول مفاهيم البطولة بجوانبها الأخلاقية وأبعادها الفلسفية اهتمام الكثير من الصحف ووسائل الاعلام في الولايات المتحدة.

وواقع الحال أن سيناء أضحت رأس الحربة في المواجهة الباسلة التي يخوضها المصريون دفاعا عن منظومة قيمهم ودرء شرور مخططات هدم الدولة الوطنية وفرض سلطة العنف وشريعة الغاب لتحل بتصوراتها البائسة محل دولة القانون والمواطنة.

وفيما يفتدي الشهداء من جند مصر بأرواحهم جماهير شعبهم وهويتهم وحقهم في الحياة الحرة الكريمة دون تسلط من ميليشيات الإرهاب الظلامي فانهم يكتبون بالدم الطاهر فصلا جديدا وحاسما في "جغرافيا الشهداء بسيناء" التي تحبط مخططات الشر بقدر ما تثبت أن مصر وهي أقدم دولة في التاريخ لا يمكن أن تخضع لمخطط تفكيك الدول الوطنية في المنطقة العربية بغية ترسيم خرائط جديدة للمنطقة والتلاعب بمصائر الأمة العربية لصالح قوى لا تضمر خيرا لهذه الأمة .

وسيناء التي عرفت بالانتصارات الفاصلة ضد أعداء الخارج كما حدث في حرب السادس من اكتوبر 1973 مكتوب لها فيما يبدو أن تكون صاحبة الجولة الفاصلة في الحرب ضد الإرهاب وقطع دابر هذا العدو في ربوع مصر المحروسة كلها.

وفيما يتناول روبرت بارليت في كتاب صدر بالانجليزية :"لماذا يصنع الموتى أشياء عظيمة؟..من الشهداء إلى الإصلاح" مفهوم الشهادة وتأثير الشهداء الفاعل في أي مجتمع على اختلاف السياقات الثقافية بين المجتمعات والحضارات فإن شهداء سيناء باقون أبدا في وجدان مصر وذاكرتها ويشكلون بحق مددا لا ينفد في ثقافة الفداء والحرب التي كتبت على أرض الكنانة في مواجهة عدوان الإرهاب الباغي.

ولعل وزير الثقافة حلمي النمنم قد عبر عن موقف كل مثقف وطني مصري عندما قال :"إن الله خلقنا لنعيش الحياة ونواجه دعاة الموت وسنحارب الإرهاب بالثقافة والإبداع والفن مثلما تحارب قواتنا المسلحة وشرطتنا الإرهاب في سيناء".

وإذ تقف الجماعة الثقافية المصرية ظهيرا "لخير أجناد الأرض" في حربهم النبيلة ضد الإرهاب وفلول الظلام فإنها تتفق على أهمية "البعد الفكري في تلك الحرب لإلحاق الهزيمة بتنظيرات الفكر التكفيري المجافي في حقيقته لجوهر الدين وسماحته والمعادي بشدة للعقل النقدي الحر".

وهكذا يطالب الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة "بمواجهة الأفكار الشريرة" التي يحاول "دعاة الضلال" غرسها في عقول بعض الشباب ووضع "الدين الصحيح والفكر السليم في مسار عقول هؤلاء الشباب" فيما دعا الإعلام إلي أن يكون "وسط جنودنا البواسل وهم يقتحمون أوكار الإرهاب".

وقد دفع المصريون الكثير والكثير من اجل تحرير سيناء واستعادة كامل ترابهم الوطني وبمشاعر قد لا يصل لعمقها وحساسيتها أصحاب بعض الطروحات الغربية عن هذه الأرض التي تحظى بمكانة سامية في الوجدان المصري .

ومن الأهمية بمكان الانتباه لطروحات تروج لها بعض مراكز الأبحاث في الغرب حول سيناء وما تتضمنه من "سيناريوهات انفصالية" او تصب في مربع ثقافة التقسيم والانفصال الشعوري وأن تتحمل مراكز الأبحاث الوطنية مسؤولياتها في المقابل لتأسيس ثقافة الانصهار الطبيعي بين مكونات الوطن ودرء مهددات الأمن الوطني المصري.

وقد تكون افضل استجابة مصرية لمثل هذه الطروحات الغربية التي تفصح عن نوايا لا يمكن وصفها بالخيرة، المضي قدما في التنمية الشاملة لسيناء الحاضرة في المنجز الثقافى الشامخ للمفكر الاستراتيجي المصري الراحل جمال حمدان :"شخصية مصر..دراسة فى عبقرية المكان".

ويقول جمال حمدان ":"ان تكون مصريا فهذا يعنى فى الواقع شيئين فى وقت واحد:الأرض والشعب" مضيفا:"ما من شك أن الصحراء قد أهملت وطال إهمالها، ومن الصعب أن نزعم أن الإنسان المصرى هذا الإنسان النهرى النيلى كان إنسانا صحراويا بالدرجة الكافية أو الواجبة".

وتابع في سفره المعرفي الهائل الذي توالى بعد حرب الخامس من يونيو في أربعة مجلدات "حتى قريب اقتصر استثمار الوادى للصحراء تقليديا على الاستغلال لا التعمير..على التعدين لا التوطين..ولكن هذه السياسة السلبية ولا نقول الاستلابية لم تعد يقينا لتكفى أو تصلح" منوها بأنه إذا كانت "الصحراء الغربية هبة الواحات فإن الصحراء الشرقية هبة المعادن".

وينبه جمال حمدان إلى أن "غزو الصحراء ليس نزهة جغرافية أو حضارية وإنما هو صراع كفاحى ضد الطبيعة لكن المزيد من الدراسة العلمية والتخطيط الرشيد بعيدا عن اليأس المثبط وعن الإسراف فى التفاؤل المجنح كذلك جدير بأن يفتح عصرا جديدا مجيدا وعالما جديدا شجاعا فى الصحراء".

وسيناء التى تثير اليوم نقاشات متعددة-تقدم إجابة مركزية للمعضلة التى لخصها جمال حمدان فى تجاوز عامل التزايد السكانى لإمكانات الأرض فى الوادى حتى "وصل الطفح السكانى إلى مداه".

فجمال حمدان خلص فى ملحمته العلمية الكبرى التى تجاوز مجموع صفحاتها أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير إلى أن "المستقبل للصحراء ولكن الكلمة الأخيرة للمستقبل فى مصر التى تشكل أقدم وأعرق دولة فى الجغرافيا السياسية للعالم وهى غير قابلة للقسمة على إثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة".

وفي الذكرى الخامسة والثلاثين لتحرير سيناء يحق التساؤل عن جديد الأعمال فى الثقافة المصرية بما يضارع الإنتاج الفذ للمفكر الاستراتيجى والعالم الجغرافى جمال حمدان وكذلك الأعمال الإبداعية عن الأرض التى يمكن أن تضارع "أرض الكاتب والأديب الراحل عبد الرحمن الشرقاوى" ناهيك عن وضع السينما الآن وهى التى سبق وأن ترجمت بلغة الفن السابع إبداع الشرقاوى فى الفيلم الشهير "الأرض" بتوقيع مثقف مصرى آخر هو المخرج الراحل يوسف شاهين؟!.

وتوصف "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوى والتى تحولت الى فيلم سينمائى عام 1970 بأنها من أروع الأعمال الإبداعية التى تكشف عن مدى قوة الارتباط غير العادى بين الإنسان المصرى والأرض وهو الارتباط الذى يكاد يصل لحد التوحد كما عبرت عنها شخصية "الفلاح المصرى محمد ابو سويلم".

ورغم ضجيج العبارة وصخب الكلام أحيانا فإن الأعمال الثقافية المصرية عن تداعيات المكان تكاد تكون غير محسوسة خلافا لواقع الحال فى الثقافة الغربية حيث المكان موضع بحث دائم وجدل خلاق وأفكار مبتكرة وقد توغل فى الماضى لكن عينها على المستقبل.

وهكذا لابد من تقديم أبطال سيناء وقصص شهداءها وهؤلاء الأبطال البسطاء الذين اختاروا الانضمام لقوافل الشهداء وإنتاج أعمال درامية عن هؤلاء الأبطال من "صانعي جغرافيا الشهداء" وبما يخدم بناء الوجدان الوطني المصري في مرحلة حافلة بالتحديات الجسام.

ولئن كان الغرب قد طور علم "الجغرافيا الثقافية" كعلم متخصص يركز على أهمية الدور الجغرافى فى تفسير الظواهر الإنسانية فإن المصرى المبدع جمال حمدان سبق وان أوضح بتنظير مصرى أصيل أن "الجغرافيا هى فلسفة المكان..فلسفة الأرض".

ولم تعد "الجغرافيا الثقافية" مجرد حقل معرفى فرعى من الجغرافيا البشرية وإنما باتت تنهض بدور أساسى فى كثير من العلوم الإنسانية بقدر ما توفر للباحث منظورا جديدا فى ظل مقاربات نقدية متعددة منطلقة من فرضية جدلية حول أهمية المكان فى بلورة الثقافة وأهمية الثقافة فى تشكيل المكان.

وأذا كان تعريف جمال حمدان للمثقف بأنه "الإنسان الذى يتجاوز دائرة ذاته والقادر على أن يجعل مشاكل الآخرين هموما شخصية له..هو ضمير عصره وسابق لعصره فى إدراك الخطر المستقبلى والحلم بالمستقبل..يتوقع ويتنبأ..كلى شمولى الرؤية لا يضيع فى التفاصيل وصاحب نبوءة" فإن المثقف الوطني المصرى اليوم مدعو لأن يقدم الكثير فى تحد مثل التنمية الشاملة لسيناء.

وفى الذكرى الخامسة الثلاثين لتحرير سيناء يبقى الحلم المصرى متوهجا..حلم الشهيد وحلم الشاعر وحلم المثقف الذى عبر عنه جمال حمدان بقوله:"مشروعنا القومى ليس إلا بناء مصر القوية العزيزة الكريمة فى الداخل والخارج..مصر القوة والجمال..القوة هى التحرر الوطنى والسيادة أما الجمال فهو عزة الإنسان المصرى فى دولته القوية..دولة العدالة والمساواة".

المجد والخلود لشهداء مصر الأبرار الذين يكتبون بالدماء والأرواح فصلا جديدا في "جغرافيا الشهداء بسيناء" دفاعا عن الأرض والعرض والكرامة..نعم لسيناء جغرافيا الشهداء والشمس تاجها والبروق رماح مجد..نفقت خيول وطال الطريق وما ترجل الشهيد عن حلمه وأمله وعنوانه المصري..فلمن سواه يصح تقديم التحية في الذكرى المجيدة ؟!..أيها الشهيد:يا من تذهب ستعود..يا من تمضي سوف تبعث فالمجد لك..المجد لك وأنت تقول لخالقك الواحد الأحد: لقد أمرتني فجئت.

ح س ا
أ ش أ