• مسجد وكنيسة


كتب: حسام ابراهيم: على قلب رجل واحد يقف المثقفون المصريون مع شعبهم في مواجهة الارهاب الأسود معتصمين بثقافة الوطنية المصرية التي نبتت عبر التاريخ المديد في ارضهم الطيبة لتشكل الزاد والترياق الأقوى من كل جرائم الارهاب الأسود.
وهذه الثقافة لا تقبل حتى حديث البعض عما يسمى "بعنصري الأمة" لأنها تدرك ان الحقيقة مختلفة وان كل المصريين هم "عنصر واحد وشعب واحد" ومن هنا فان كل الشهداء في الحوادث الارهابية التي شهدتها مصر امس "الأحد" هم من المصريين كما اوضح بحق الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وقال الكاتب الصحفي والمثقف المصري لويس جريس :"اذا كان تفجير الكنائس يهدف الى ان يترك الأقباط مصر ، فان هذا الهدف لن يتحقق ابدا ذلك لأن ارتباط الأقباط بمصر ارتباط ازلي منذ فجر التاريخ" ، فيما اكد ان كل محاولات قوى الشر "لتفكيك شمل المصريين ونسيجهم الواحد ستفشل".
وبعد استشهاده بالآية القرآنية الكريمة :"ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لايستكبرون" ، توجه لويس جريس بالعزاء لكل المصريين وقال :"تعازينا للكنيسة والجامع والوطن بأكمله..انه فعل دخيل عن مصر والمصريين".
وفي طرح ثقافي قريب من هذا المعنى كان المفكر الاستراتيجي الراحل جمال حمدان قد لفت الى ان الأقباط "اقرب المسيحيين في العالم الى الاسلام بمعنى او اخر وفي هذا تفرد يضاف الى تفرد مصر بعامة, فكما ان مصر فلتة جغرافية فان الأقباط فلتة طائفية".
وأوضح جمال حمدان :"قد لاتوجد بل قطعا لاتوجد اقلية دينية في العالم كالأقباط في مصر , فليس في العالم أقلية دينية عاشت في اعمق اعماق احضان الاسلام وعايشته حتى النخاع في حنايا وظلال مجتمع اسلامي وحضارة اسلامية بالكامل كالأقباط, أقلية مشبعة تماما بالجو والبيئة".
واضاف الراحل العظيم والمثقف الكبير وعاشق مصر الذي استطاع بمهارة فائقة ان يحول علم الجغرافيا بتضاريسه وجباله ووديانه الى سيمفونية موسيقية رائعة :"ليكن اقباطنا همزة الوصل وأداة الربط ورابطة الصداقة بين المسيحية والاسلام كما بين مصر والغرب وليكن هذا ايضا دور المسيحية العربية على وجه العموم".
وفي كتاب صدر بعنوان :" صفحات من اوراقه الخاصة" اكد الدكتور جمال حمدان ان مصر ببساطة "اقدم واعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم وهي غير قابلة للقسمة على اثنين او اكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة".
واعتبر ان "مصر هي قدس اقداس السياسة العالمية والجغرافيا السياسية ومن المتصور تماما وان بدرجات متفاوتة ان تنكمش او تنقسم كل دول العالم الا مصر لأن مصر السياسية هي ببساطة من خلق الجغرافيا ونبت طبيعي بحت".
ولئن هرعت ابواق الشر لاستغلال الاعتداءات الارهابية الاثمة التي استهدفت امس "الأحد" كنيسة مار جرجس في طنطا والكنيسة المرقسية بالأسكندرية في سياق محاولات محكوم عليها تاريخيا بالفشل لتمزيق النسيج الوطني المصري فان احزان كل المصريين على ضحايا الحادثين الارهابيين وتعليقات رجل الشارع جاءت كاشفة عن ادراك اصيل بأن هذه الأعمال الارهابية الخسيسة لن تزيد وحدتها الوطنية الا قوة ومناعة في مواجهة فيروس الارهاب الذي لايفرق بين مسلمين ومسيحيين.
وهاهم المصريون مسلمين ومسيحيين قد تدفقوا للتبرع بدمائهم للمصابين وها هي المساجد المجاورة للكنيسة المرقسية فتحت ابوابها للتبرع بالدم لتتوالى مشاهد نبيلة تكشف عن حقيقة هذا الشعب العظيم وان الدم المصري واحد ولن يلوثه الارهاب الجبان والجماعات التكفيرية الظلامية التي اعمتها ظلماتها عن ادراك حقيقة احترام الاسلام وتشجيعه للتنوع الانساني.
ولعل موقف كل مثقف وطني مصري لن يختلف في كثير او قليل عن موقف نواب شعب مصر الذي عبرت عنه اللجنة العامة لمجلس النواب عندما اكدت امس "الأحد" في بيان ان "مصر كلها مطالبة اليوم واكثر من اي وقت مضى بتوحيد الصفوف وتوحيد الكلمة لمواجهة هذه الهجمات الشرسة للارهاب الأسود
وكانت اللجنة العامة لمجلس النواب قد ذكرت في بيانها :"اننا امام ارهاب اسود جهول يستبيح سفك الدماء لاجهاض كل قيمة شريفة وتحويل مصر الكنانة الى مستنقع من الدماء والاشلاء, ارهاب لادين له ولا وطن..نحن امام جماعات مناهضة للحياة لاعلاقة لها بالاسلام الذي لايقر الاعتداء على الابرياء والذي يحفظ للانسان كرامته وعرضه وماله".
وفي وقت يتضامن فيه العالم مع مصر في مواجهة الارهاب الأسود ويتساءل فيه بقلق الكثير من المثقفين في العالم ومن بينهم الكاتبة الأمريكية آنا هولمز عما اذا كان "التنوع" قد فقد معناه وأمسى في محنة جراء التعصب والأفكار المشوشة في اماكن عديدة بهذا العالم فان مصر كانت ومازالت مكانا دالا على معنى التنوع وتجلياته الانسانية.
ومن نافلة القول ، ان اعداء مصر والمصريين معنيين باخماد هذا التنوع الانساني الخلاق ضمن اطياف ثقافة الوطنية الجامعة التي تعد عنوانا مصريا اصيلا بقدر ماينساب بسلاسة في شرايين الجسد المصري الواحد ليزيده قوة ومناعة وقدرة على الابداع.
انه واقع مصري قد يقدم اجابة لتساؤلات قلقة لمثقفة امريكية مثل آنا هولمز التي راحت تتأمل أحوال بلادها والعالم لتبدي في طرح بجريدة نيويورك تايمز شكوكا عميقة حول ما اذا كانت كلمة "التنوع" بكل ماتنطوي عليه من معنى ومفاهيم قد باتت مجرد "كليشيه" او "تعبير مبتذل بتكرار ينكره الواقع" وربما "مجرد تعمية لفظية رقيقة لواقع انساني معاصر ينضح بالتعصب".
ورغم ان "التنوع" كثقافة اثرى بلدا كالولايات المتحدة واسهم في ان تكون قوة عالمية عظمى بل ان هذه الثقافة مفيدة للغاية حتى على مستوى الشركات والمشاريع الباحثة عن النجاح في الأسواق ، فان هذه الكاتبة والمثقفة الامريكية تضرب امثلة عديدة لمحنة التنوع في بلدها وبلدان اخرى في العالم جراء عدم استعداد البعض لدفع استحقاقات المعنى الحقيقي للتنوع في الواقع الانساني حتى وان "تغنوا بقيمة التنوع" الأمر الذي يخلق فجوة بين الأقوال والأفعال ويلحق اضرارا فادحة "بالتكامل" المفيد للكافة .
اما "التنوع" في مصر فضارب برسوخ في جذور الشخصية المصرية وظاهر بوضوح في ملامح الهوية الواحدة للمصريين والجامعة بعبقرية مابين التنوع والوحدة في اطار المجتمع المصري ويدخل في "المكونات العميقة للثقافة المصرية" دون ادنى افتعال او تلفيق ليتبدى في صور عديدة بأوجه الحياة اليومية للمصريين تشكل بدورها "ثقافة المحبة" .
واذ يقترب عيد القيامة وعيد شم النسيم ، فان لمثل هذه الاحتفالات تجلياتها في مصر الكنانة حيث الأنفاس المباركة لثقافة مصرية اصيلة والهواء المصري الذي يتنفس حبا ومحبة ويمنح بركاته للمكان والبشر وهو بالتأكيد اقوى من نار الارهاب وهؤلاء الذين وصفهم وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة بأنهم "لادين لهم ولاملة غير انهم من اتباع الضلال والهوى" .
وانها لثقافة مصرية من نسغ النيل والوجوه الطيبة واتساق الزمان والمكان وتناغم عذوبة الأذان مع اجراس الكنائس في شوارع ودروب من ضياء..مساجد تعانق الكنائس وبشر كل منهم يبحث عن ذاته بين تلافيف الأمكنة والأزمنة الحاملة لثقافة المحبة.
فاذا كانت الثقافة ممارسة اي فعل يومي يمارس على نطاق واسع بطرق واشكال لانهائية فلعل مصرهي التجسيد الحي على الأرض لثقافة التسامح والتنوع الخلاق ومعنى الاخاء وتلاوين المحبة بين الجميع دون تفرقة ممجوجة بين مسلمين ومسيحيين.
ويعبر البابا تواضروس بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية عن مثل تلك المعاني عندما قال :"ان وطنا بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن" مؤكدا انه "لو احترقت الكنائس سنصلي في المساجد" فيما يكشف الخطاب الوطني للبابا ال118 في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية عن حقيقة مواقف الكنيسة الوطنية المصرية التي كانت ومازالت ببطاركتها العظام حصنا منيعا من حصون مصر الكنانة.
وهؤلاء البطاركة العظام "سطروا بمواقفهم المصرية الخالصة مشاركة لاتنسى في توحد مصري متكامل في الأحداث التي غيرت مجرى الحياة في بلادنا" ، كما يقول مثقف وسياسي مصري هو الدكتور رفعت السعيد الذي ارتبط بعلاقة وثيقة مع البابا الراحل شنودة الذي لقب عن حق "ببابا العرب".
وفي سياق الحديث عن الذكرى الخامسة لنياحته التي حلت مؤخرا استعاد الدكتور رفعت السعيد موقفا كان شاهدا عليه من مواقف للبابا شنودة تنبض بالوطنية والحب لمصر ونقل عنه قوله :" الفتنة ان اشتعلت ستتحول لبركان وهناك خصوم في الداخل والخارج ينتظرون الدم ليحرقوا الوطن".
واذ تبقى مقولة البابا شنودة الذي قاد الكنيسة الوطنية المصرية على مدى 41 عاما :"ان مصر وطن يعيش فينا" خالدة في سجل ثقافة الوطنية المصرية فانه كان امثولة للمثقف الوطني كدارس للتاريخ وصاحب قصائد الشعر وضابط الاحتياط لسنوات بالجيش الوطني المصري وهو الذي تولت سيدات مسلمات في قريته "السلام" بمحافظة اسيوط رضاعته بعد ان توفيت والدته لتتركه رضيعا يتيما ليكون بعد ذلك الأب الحنون لكل المصريين.
والبابا شنودة الذي يصفه الدكتور رفعت السعيد "بالصرح الوطني الشامخ" عاش فترة من حياته في "شبرا مصر" تكاد حياته المديدة تعبر عن حقيقة مصرية اصيلة وهي ان الاقباط المسيحيين مكون اساسي من مكونات البنية المجتمعية المصرية ولايمكن تصور مصر دونهم وانه اذا كان التاريخ حاشدا بالمكائد والمخططات الخارجية فانه حافل ايضا بالقامات الوطنية المصرية الشامخة.
والكنيسة الأرثوذكسية العريقة منذ نشأتها بالأسكندرية في القرن الأول الميلادي باتت حاضنة للوطنية المصرية وقوة من القوى الفاعلة في صياغة "شخصية مصر" وهويتها الثرية والمتعددة المستويات بتراكمات حضارية غنية.
وبذلك فعندما نتحدث عن المصريين ممن يدينون بالمسيحية ، فالحديث يكون عن مكون مصري اصيل بكل ماتعنيه الكلمة ومن ثم لايجوز الحديث عما يسمى "بعنصري الأمة المصرية لأن المصريين في الحقيقة والتاريخ والواقع عنصر واحد" ومن هنا فان المسيحيين في مصر جزء لايتجزأ من نسيجها العضوي.
وعلى النقيض مما تصورته القوى المعادية لمصر والارهاب العميل فان الحوادث الارهابية الآثمة وان ادمت قلوب كل المصريين فانها لن يزيدهم الا تمسكا بثقافة المحبة وتعزيزا لوقفتهم المنتصرة على محاولات آثمة لاشعال الفتنة وتمزيق نسيجهم الوطني.
انها مصر التي باركها السيد المسيح فيما اكد سيدنا ونبينا محمد انها "كنانة الله في ارضه من ارادها بسوء قصمه الله"..انها مصر التي لن تسمح للظلام بأن يتحكم في الوقت ويفتك بالأبرياء قربانا لشهوة الشر ليصير الوجود كله نارا والأيام احزانا لاتنتهي !..انها مصر التي تستظل بمئذنة ونخلة ومسلة وكنيسة وتخفض جناح محبتها وتمدد من راحتيها كرما لايضام .
ح س ا