• حي القصبة الآثري


تقرير / حمدي المليجي

يعد حي "القصبة" بالجزائر العاصمة متحفا مفتوحا يحكي موروثا تاريخيا ودرسا في المقاومة يلخص لزائره حكاية "جزائر الشهداء" وينعش "الذاكرة العربية" حول "ثورة الجزائر التحريرية" التي كانت مثالا رائعا لإرادة الشعوب الحرة في نيل استقلالها حتى لو كلفها ذلك "مليون ونصف المليون شهيد" لطرد "المستعمر الفرنسي".
ويعتبر الحي العتيق بمعالمه شاهدا على ذاكرة وتاريخ الشعب الجزائري، حيث ترى كل مظاهر الحضارة والثقافة تتلخص في "القصبة" التي تعني "وسط المدينة"، فمن هذا الحي انطلقت أولى شرارات الثورة بالعاصمة الجزائرية ، وكان معقل الثوار في دار "السبيطار" التي كانت مخبأ للمناضلين أمثال /علي لابوانت/ و/جميلة بوحيرد / و/جميلة بلباش/ و/حسيبة بن بوعلي/ وغيرهم من المناضلين الذين حركوا الثورة في وسط العاصمة وزلزلوا الأرض تحت أقدام المستعمر.
وينقسم حي "القصبة" إلى "قصبة سفلى" وأخرى عليا والزائر للحي يجب أن تكون انطلاقته من القصبة السفلى وتحديدا من أمام مسجد "كتشاوة" وهو من أشهر المساجد التاريخية وبني في العهد العثماني ثم مرورا بـ "دار عزيزة" التي اختلفت الروايات التاريخية حول قصتها وحول المرأة التي سمي عليها القصر والذي تحول اليوم إلى متحف وطني ومعلم تاريخي مصنف عالميا.
وتحتوي القصبة على مساجد عديدة هي الجامع الكبير والجامع الجديد وجامع كتشاوة وجامع علي بتشين وجامع السفير وجامع السلطان وجامع سيدي رمضان بالإضافة إلى مساجد صغيرة كمسجد سيدي محمد الشريف وسيدي عبد الله وسيدي بن علي بالإضافة إلى ضريحها الشهير سيدي عبد الرحمن الثعالبي الذي لا زال يمثل مزارا كبيرا ، بالإضافة إلى جامع كبير تم هدمه في بداية الاستعمار الفرنسي كان يتوسط ما يعرف اليوم بساحة الشهداء.
(المناضل علي لابوانت)
وفي بداية حي "القصبة" وعلى بعد أمتار من مسجد "كتشاوة" ، يظل المنزل الذي استشهد فيه المناضل الجزائري "علي لابوانت" شاهدا على التاريخ ومعلما اثريا "للشهيد الحي" الذي انضم إلى صفوف الثورة الجزائرية ضمن فوج الفدائيين بالعاصمة وشارك في القيام بالهجوم على مراكز جيش الاحتلال وشكل مع "حسيبة بن بوعلي" ومجموعة من الفدائيين شوكة في حلق المستعمر.
وفي الثامن من أكتوبر عام 1957 استشهد "علي لابوانت " حين نسف الاستعمار الفرنسي المنزل الذي كان يأويه رفقة حسيبة بن بوعلي ومحمود بوحميدي وعمر الصغير، فارتقى الأربعة ومازال المكان قائما يشهد على الحدث ويضم جثث هؤلاء الشهداء العظام.

(جامع اليهود)
ويعد "جامع اليهود" من أبرز معالم القصبة مع أن التسمية تظل غريبة للذين لا يعرفون تاريخ المكان، على اعتبار أنها تجمع ما بين اسمين متناقضين، (الجامع) الذي هو مكان للمسلمين يؤدون فيه صلواتهم الخمسة، و(اليهود) الذين من المفترض أن يقابلهم اسم "المعبد".
وكان مكان هذا المسجد معبدا للاقلية اليهودية من سكان الجزائر الذين تجنسوا فيما بعد بالجنسية الفرنسية عام 1870 ، ومع مرور الوقت وقع المعبد ضحية مخططات المستعمر الفرنسي التي كانت سببا في تشويه معالمه وهدم أجزاء منه ، وأقام المسلمون مسجدا مكانه أطلقوا عليه تسمية "جامع اليهود" بعدما رأوا اليهود يؤدون طقوسهم التعبدية داخله.
وظل سكان القصبة ومدينة الجزائر قاطبة يطلقون هذا الاسم "جامع اليهود" حتى يومنا هذا، على الرغم من أن السلطات المحلية منحت الحي منذ عام 1962اسم أحد أكبر رموز الثورة التحريرية الجزائرية الشهيد "علي لا بوانت".

(تراث عالمي مهدد )
غير أن هذا الحي العتيق المدرج من قبل منظمة "اليونسكو" على لائحة التراث العالمي للبشرية منذ 1992 لـ"قيمته الاستثنائية"، يعاني اليوم تدهورا في معالمه وإهتراء مبانيه مما جعل القائمين والمهتمين بالحفاظ على الموروث التاريخي والحضاري يدقون "ناقوس الخطر" والمبادرة إلى إنجاز مخطط دراسي واقتراحه على وزارة الثقافة وعلى كل من يهمه الأمر.
وأحصت إدارة "الديوان الوطني لتسيير الممتلكات الثقافية المحمية" بالجزائر قرابة 100 مبنى تاريخي مهدد بالإنهيار بالقصبة مصنفة ضمن قائمة "الخانة الحمراء" ومن الضروري التكفل بها واجراء تحويل مؤقت أو دائم لساكني تلك المباني التاريخية حسب طبيعة الملكية وعقودها من أجل الشروع في عملية الترميم قصد وقف التدهور.
وتقول إدارة "الديوان الوطني لتسيير الممتلكات الثقافية المحمية" إنه تم منذ إنطلاق العملية عام 2014 القيام بأعمال دعم أولية لـ 717 مبنى من أصل 1861 بالقصبة لوقف الانهيار ، وذلك في إطار المخطط الدائم لحماية القصبة ، مشيدة بقرار تحويل ملف القصبة مؤخرا الى ولاية الجزائر الذي يعد "إيجابيا" و"محركا" من شأنه أن يعطي الدفع الحقيقي للملف ويسرع عملية ترميم هذا المعلم التاريخي نظرا لما تمتلكه الولاية من إمكانيات لاسيما في مجال ترحيل السكان والتهيئة العمرانية والنظافة وغيرها.
ويؤكد الباحث في التاريخ الجزائري عبد الرحمن خليفة ضرورة التكفل بترميم هذا المعلم التاريخي، المصنف كمعلم وطني، ثم عالمي من قبل "اليونسكو" وأن تتعجل الحكومة ملف ترميم القصبة فالمباني تتساقط الواحدة تلو الأخرى.
وقال خليفة - في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط - :"إن الدولة صرفت أموالا ضخمة لإنقاذ القصبة لكن الترميم في أصوله يخضع لعدة شروط، من بينها أن يكون المهندس المسئول عن الترميم في الورشة بشكل دائم حتى يتابع هذه العملية، وكذا بالنسبة للمختص في الآثار الذي يدرك الخبايا الأثرية والتاريخية لكل مبنى".
وأضاف :"صحيح أننا نعاني عجزا كبيرا فيما يخص الاهتمام بالتراث والتاريخ والدليل تجاهل الكثيرين، خاصة الشباب، لتاريخ بلدهم. أعترف بأن الحياة اليومية للمواطن الجزائري ليست سهلة، إضافة إلى كل الضغوطات العائلية وغيرها من المشاكل التي تعترض حياته، لهذا أؤكد أن البداية يجب أن تكون في المدرسة، من خلال التعريف بتاريخ البلد وتوعية الأطفال والشباب بأهمية، بل وإلزامية حماية تراثهم للحفاظ على ذاكرة البلد".
وتابع :"يجب أن نثمن تراثنا وننقذه وألا نتخذ من التقشف حجة، لهذا أدعو إلى أن تكون الثقافة بجانبيها الروحي والمادي وعاء للتنمية، لأن تراثنا الثقافي ثروة حقيقية يجب استغلالها أحسن استغلال، وهكذا يمكننا أن نقوم بالسياحة الثقافية، فلدينا الكثير من المعالم الأثرية المهمة".
وأكد أن مخطط الحفظ الدائم يندرج ضمن مسعى الدولة للحفاظ على الهوية الوطنية من خلال تسجيل عدة عمليات ترميم متعلقة بالتراث المادي ، مضيفا أن هذه العملية سوف تسمح بإعادة صورة الحي والمحافظة على الذاكرة الجزائرية.
(عقبات أمام الترميم)
غير أن والي "الجزائر" عبد القادر زوخ أكد أن المشكلة الرئيسية التي تواجه عملية ترميم القصبة تتمثل في قنوات صرف المياه المستعملة ومياه الأمطار العتيدة ، موضحا أن هذه القنوات قديمة للغاية ويجب استبدالها كلية ، وأنه سيتم تكليف أكثر من 50 مكتب دراسات لإجراء مختلف الدراسات بالقصبة بهدف إعادة ترميمها بصفة كلية.
وحسب المكلف بالدراسات لولاية الجزائر "السعيد قلال" فإن الأمر يتعلق بثلاث قنوات كبرى لصرف المياه المستعملة حيث تم إجراء دراسة أولية من طرف مديرية الري لولاية الجزائر مع مكتب دراسات كوري ، مضيفا أنه تم مباشرة بعد انتهاء الدراسة تعيين مؤسسة وطنية جزائرية لكي ترمم هذه القنوات بطريقة خاصة دون حفر.