• القمة العربية بعمان


كتب .. حسام إبراهيم

تأتي القمة العربية الوشيكة فيما تواجه الأمة العربية العديد من المخاطر الداخلية والخارجية وسط اتفاق عام بين العديد من المهمومين بقضايا الأمة على أهمية تجديد وتطوير الفكر القومي الذي يواجه الآن تحديات خطيرة .
والقرارات المنتظرة في قمة البحر الميت لابد وأن تسهم إيجابا في حماية الهوية العربية بعد أن وجد العرب أنفسهم في وضع إقليمي ضاغط ومستهدفين بمشاريع لقوى إقليمية غير عربية بدت وكأنها تسعى لإعادة إنتاج زمن مضى منذ قرون وقرون عندما كانت القبائل العربية في زمن الجاهلية موزعة بين كسرى الفرس وهرقل الروم!.
والتحالف الحقيقي الذي يحتاجه العرب هو "أن يتحالفوا مع أنفسهم وأن يحاربوا الإرهاب" فيما كان بعض أبرز المثقفين العرب مثل الكاتب والمفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري قد التفت لأهمية الحفاظ على اللغة العربية من أجل حماية الهوية داعين ودعوا من قبل لقرارات ملزمة على مستوى قمم عربية بشأن دعم اللغة العربية.
وقال الدكتور محمد جابر الأنصاري إن الخطر الماثل يتمثل في أن جيلا عربيا جديدا لا يحسن استخدام لغته الأم .. لافتا إلى أنه إذا نظرنا لحدود الوطن العربي الكبير "نجد أن الحدود اللغوية هي التي تحدده في غياب أي اعتبار اخر" وهذه الحدود اللغوية هي التي تجيب على سبب عدم انضمام قوى إقليمية مثل إيران وتركيا لهذا الوطن العربي الكبير.
وفي أواخر عام 2010 وفي سياق طرح له حول قمة ثقافية عربية أعاد المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري للأذهان أن "الفارسية الحديثة بلورها الفردوسي قرونا بعد الفتح الإسلامي لفارس ولايذكر التاريخ أن العرب وقفوا ضدها".
أما الأكاديمي والشاعر اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح وهو رئيس المجمع العلمي اللغوي في اليمن فقد رأى أنه إذا كان هناك أكثر من أسلوب في الحفاظ على الهوية القومية وحماية مكوناتها فإن الثقافة هي الجزء الأقوى في تحدي المخاطر "لأنها الأقدر على التسرب في ثنايا النفس إلى أن تصبح جزءا لايتجزأ من مخزونها المعرفي والروحي والأدبي".
ويقول الدكتور عبد العزيز المقالح إن الشعوب التي دفعت ثمنا باهظا من استقلالها وسيادتها وحريتها تحت شعار العولمة الثقافية هي في الأساس تلك التي قبلت بأن تفرط في هويتها الثقافية .. معتبرا أنه "إذا انهار الجدار الثقافي فلا شييء يمنع من تفتيت الشعوب وتحويلها إلى بؤر للتناحر والخصومات".
ويدعو المقالح "إلى توحيد الجهود واستنفار الطاقات الفكرية والإبداعية لإحياء فكرة وحدة ثقافية عربية تقوم على التنوع والتعدد".
وإذ تتصدر القضية الفلسطينية والأوضاع في سوريا وليبيا واليمن جدول أعمال القمة فإن القادة العرب سيبحثون أيضا في قمتهم المرتقبة المسائل المتعلقة بالأمن القومي العربي ومكافحة الإرهاب وملفات اللاجئين والتدخلات الخارجية في شؤون المنطقة.
وفيما يتعلق بسبل تعزيز التعاون العربي المشترك وخاصة التعاون الاقتصادي .. فإن المحور الثقافي يمكن أن يشكل رافعة طبيعية لهذا التعاون العربي في شتى المجالات، فضلا عن أهمية الجهد الثقافي في زيادة الوعي بمخاطر تفكيك الدول الوطنية.
وثمة حاجة لنوع من "التحليق الفكري" في الأجواء الثقافية العربية بحثا عن إجابات لتحديات اللحظة وشواغل المرحلة ناهيك عن الأسئلة الكبرى التي تفرضها تحديات وشواغل المستقبل وهو ما قد يتطلب "نضالا فكريا من أاجل ثقافة عربية تأخذ بأسباب الحداثة وتتفاعل مع تحولات العصر دون تنكر لثوابت لم تتعارض يوما مع قيم الحق والخير والجمال".
ونظرة لواقع دول عربية جريحة تبرهن على اهمية "النضال الفكري من جانب المثقفين القوميين لتغيير هذا الواقع الأليم والذي لن يبدأ إلا بتغيير المدركات ومستوى الوعي".
ويبدو أن تحديات المرحلة بلغت حدا يستدعي وجود "مثقفين عضويين مرتبطين بواقع أمتهم العربية وهموم الجماهير للانخراط في نضال فكري لايعرف التعالي على رجل الشارع أو يتجاهل شروط وقيود الواقع بقدر ما يسعى لتغيير هذا الواقع نحو الأفضل ويجتهد لتحرير العقل العربي المقيد المكبل".
ومهما كان حجم الهجاء وحدته للنخب الثقافية العربية المتهمة بالعجز عن الإسهام الواجب في تغيير واقع عربي بات عبرة للعالمين فإن أبواب الأمل لم توصد تماما بعد في أن تخرج طلائع من مثقفي الأمة لتكسر نمطية الصورة وجمود التصورات وتتفاعل على قاعدة الحقيقة والحلم معا من أجل إنقاذ الأمة العربية ومواجهة أمم تتكالب علينا مزودة بحقائق القوة.
فالواقع الراهن يتطلب أفكارا جديدة ورؤى مختلفة دون أن يعني ذلك جحد جهود وإنجازات الآباء الثقافيين الذين عبروا عن أشواق العرب وأمانيهم كأمة واحدة من المحيط إلى الخليج.
وإذ تتهدد المخاطر البشر والحجر والمستقبل والتراث بين جنبات الأمة العربية لترسم المشهد المخيف الظاهر اليوم أمام كل ذي عينين يبقى الرهان صائبا على بناء ثقافة عربية جديدة للمقاومة وتغيير الحقائق الاقتصادية والاجتماعية نحو الأفضل على قاعدة معرفية تتيح فهم حركة التاريخ وإمكانية توظيفها إيجابيا ولعل ذلك هو "جوهر النضال الفكري المطلوب من جانب المثقفين العرب.
وفيما يشكل الإرهاب أخطر تحديات المرحلة الراهنة تستدعي اللحظة العربية بمعطياتها جهدا ثقافيا استراتيجيا برؤى مبدعة "للعروبة الثقافية" للإجابة على أسئلة تتعلق بوجود الأمة وطبيعة النظام العربي الجديد في وقت تتشكل فيه ملامح نظام عالمي جديد.
فبثقافة الأفعال المتسقة مع الأقوال ينبغي للعالم العربي أن يواجه بثقة أكبر الخارجين على إرادة الأمة والمتواطئين مع أعدائها وأبواق النفاق والدجل والخطابات المزدوجة ويتخلص من أفة الإنشائية والاكتفاء بالكلمات كبديل للأفعال والخلط بين المطلق والنسبي.
كما أن الكتابات تتوالى دالة على تصور ثقافي عربي للوجود خلص إلى عدم إمكانية التصالح بأي حال من الأحوال مع الإرهاب لأنه يهدد الوجود العربي في الصميم كما أنه لم يعد من المقبول استمرار مآساة الإتجار بالدين لتحقيق مآرب دنيوية ومطامع سلطوية بما يتعارض مع جوهر الدين الحنيف.
ولئن ذهب البعض إلى أن كلمة مثل "القومية" أو "العروبة" باتت تثير حساسية حتى لدى بعض المثقفين العرب بعد أن جرى ابتذال كلمتي القومية والعروبة في كثير من المواقف المحزنة فإن أحدا لايمكنه إنكار واقع تجسده الثقافة القومية لأنه "واقع لغوي وجغرافي وتاريخي وروحي".
وبعيدا عن أي إغراق او استغراق في نظرية المؤامرة فإن الملاحظ لكل ذي عينين أن تصاعد الهجمات الخارجية لاقتلاع الخصوصية الحضارية وشطب الثقافة القومية قد تزامن مع تصاعد هجمة الإرهاب والقوى الظلامية التي روعت الأمة العربية وصنعت حالة من "تآكل الذات" كما هو الحال في سوريا الجريحة.
ورغم دعوات لصحوة عربية جديدة تستند على نظام عربي جديد وتسهم أيضا في ترسيخه لم يظهر بعد هذا النظام العربي الجديد والقادر على حماية الأمة العربية بينما يفعل الإرهاب أفاعيله في المنطقة ويهدد وجود دول بعد أن ألحق خسائر فادحة بتراثها الثقافي.
فلاريب أن أفاعيل الإرهاب التي تدمي الأمة وتنال من مقدراتها إنما تسهم جوهريا في تعميق الفجوة الواقعية لحالة اللاتكافؤ بين الأمة العربية والغرب المتقدم وبما يصادر عمليا على الدعوة للمساواة والتكافوء ويضع مثل تلك المقولات في خانة الأماني بعيدا عن مربع الفعل وحقائق الواقع حتى أضحى بعض الساسة في الغرب يجهرون دون خجل برفضهم لفكرة المساواة بين الثقافات.
ولعل الثقافة القومية العربية تستجيب لتلك التحديات غير المسبوقة حقا بتنظيرات ثقافية قابلة للتطبيق على أرض الواقع المختلف كل الاختلاف بتفاعلاته المتصادمة والصادمة عن زمن مضى وكلاسيكيات مفكر قومي مثل ساطع الحصري في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
كلها تحديات تتطلب "لغة جديدة" و"إبداعات ثقافية استراتيجية" و"أدوات مختلفة عن السائد والتقليدي من أساليب الماضي لأن يتعلق بتحول شامل طال الساحة العربية في مجملها ويتطلب صياغة جديدة للفكر القومي العربي للإجابة على أسئلة خطيرة تمس الوجود العربي ومفهوم الأمة الواحدة ومضمون النظام الإقليمي الجديد.
وتأتي قمة عمان وقد بلغ الأمر حد الدعوة "لإعادة تعريف الذات العربية" وسط تلك التحديات غير المسبوقة وسعي البعض في الغرب أو الشمال المتقدم "لممارسة القسر الثقافي على العرب" بعد أن اختلت موازين القوى وتفاوتت القدرات لحد أغوى دعاة تلك الممارسات في "مراكز الحداثة" بعدم الحاجة لأي حديث عن الحوار ناهيك عن التكامل بين الثقافات.
هكذا لم تعد هناك حاجة لدى البعض في الغرب الحداثي لفرض أي نوع من التستر على آليات الهيمنة أو التحرج من الحديث علانية عن ضرورة إعادة رسم خرائط المنطقة العربية بينما التقى سدنة الجماعات الظلامية مع نفر من مدعي الحداثة في العالم العربي في مفارقة تاريخية قد تدعو للسخرية وهم يحاولون معا تصوير القومية العربية أو ثقافة الأمة الواحدة باعتبارها مجرد "خرافة" !.
نعم تأتي القمة العربية الجديدة وسط حالة من القلق العربي الظاهر بوضوح على امتداد خارطة الأمة الواحدة وقد يكون أول رد على تلك التحديات غير المسبوقة التمسك بالهوية العربية في مواجهة قوى إقليمية على التخوم تتربص بالعرب وقوى دولية تحرض وتخطط وتتدخل من حين لآخر استعدادا للحظة الانقضاض.
ومع كل ذلك .. ينبغي القول إن الحفاظ على الأمة العربية ليس من المستحيلات ولا أضغاث الأحلام لو توافرت الإرادة وتبنى العرب "ثقافة الاصطفاف" في مواجهة تحديات غير مسبوقة وإسقاط مخططات الهيمنة من قوى إقليمية غير عربية.
و"ثقافة الاصطفاف العربي" التي تتبناها مصر منذ ثورة 30 يونيو 2013 يمكنها أن تشكل تصحيحا لمسيرة عربية عانت طويلا من الآمال المجهضة والخيبات والانكسارات والأحلام الآفلة والدمع المنفلت والبحث عن أحلام تعويضية!.
وإذا كان السؤال قد تردد طويلا :هل تحولت أفكار العروبة والطروحات القومية لمجرد إنشائيات رخوة أو متهدلة ومترهلة وبعيدة عن الجدة بقدر ما هي عاجزة عن الاستجابة لتحديات الراهن فلعل "ثقافة الاصطفاف العربي" بنزعتها العملية وتوجهها التطبيقي المخلص وتجلياتها على الأرض تسهم في الإجابة على سؤال كهذا.
إن هذه الثقافة بمنحاها الواضح والعملي قد تكون الرد العملي للعرب على أسئلة من قبيل :"هل شاخت أفكار العروبة وتقادمت خبراتها وباتت شعارات الثقافة القومية لاتصلح في سياقات الحداثة وما بعد الحداثة.
فثقافة "الاصطفاف العربي" التي تتبناها مصر هي الحل الأمثل في مواجهة الأزمات والشدائد والمؤامرات والمواقف المشبوهة التي تستهدف العرب ومخطط إعادة رسم خارطة العالم العربي عبر استهداف دول عربية بضغوط مكثفة ومتنوعة والدفع نحو تحولات مفزعة لتفكيكها.
وتستدعي هذه الحالة تنظيرات ثقافية جادة لاتركن للسائد ولاتعتمد على المألوف وإنما ترتقي لمستوى التحديات الجسام واللحظات الخطيرة وتطرح أسئلة بقدر ما تسهم في إجابات وتثري عملية التراكم الثقافي للخبرات وصولا لتأسيس "ثقافة الاصطفاف العربي ومفاهيم حقيقية للجسد العربي الواحد".
فالأمر جلل ويستدعي أيضا الاهتمام بالجوانب التطبيقية والتجليات التي تنفع الناس وتمكث في الأرض العربية من الماء للماء في وقت يستدعي فيه عودة الجسد العربي الواحد ليقف على قدميه راسخا مرفوع الهامة بما يشكل بحق "عودة الروح للعروبة" بعد أن بدا وكأن هذا الجسد يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة ليواري الثرى ويدخل في ذمة التاريخ!.
وهكذا يأمل كل مثقف ينتمي حقا وصدقا لأمته العربية أن تفضي القمة العربية الوشيكة لتعزيز ثقافة الاصطفاف في مواجهة أصحاب الرايات السوداء والمجازر الشنعاء والأجندات الإقليمية لقوى الجوار والمشاريع اللاعربية والقيم المناوئة للعروبة" ؟!..إن هذه القمة لها أن تكتب صفحات مضيئة دفاعا عن الهوية والقيم العربية.