• حدائق الذهب


كتب .. محمود الشناوي

عندما تتجول في شوارع العاصمة التشادية " انجامينا " يداهمك مشهد الحروف العربية مصاحبا للحروف الفرنسية ، مترجما عبارات الترحيب أو التعريف بالشوارع والمنشآت ، ويدفعك الشعور بأنك بين الاهل والاصدقاء الى البحث عن هوية تشاد ، تلك الدولة التي تعوم فوق كنوز طبيعية وثروات ، تنتظر عمليات اكتشافها واستغلالها المزيد من الجهد والمال ونظرة اهتمام أشد اتساعا من الاخوة العرب وخاصة الشقيقة مصر .
وتتصاعد الدعوات تكللها الآمال في غد أفضل ينعم فيه أهل تشاد باهتمام أكبر من العرب ، فيما يظل العمق العربي شاخصا أمام الجميع ، يطالب بأن تدخل البلاد ، التي تمثل عمقا استراتيجيا للوطن العربي متوغلة في الصحراء الكبرى الافريقية التي تطل عليها ثماني دول عربية ، تحت مظلة جامعة الدول العربية ، خاصة وأن الجامعة سبق وأن ناقشت امكانية ضم تشاد اليها عام 2011 ، في وقت تجري على قدم وساق مساعي الرئيس ادريس ديبي لتعزيز العلاقات مع الدول العربية وعلى رأسها مصر .
وبالعودة إلى الجذور لتأصيل التواجد العربي في هذه الدولة التي تمثل رقما هاما في معادلة الأمن والاستقرار بافريقيا ، فان دخول العرب الي تشاد يعود لبداية القرن الأول الهجري، ومع الفتوحات الإسلامية ، بدأ حوض تشاد يشهد وصول طلائع وأفراد من قوات عقبة بن نافع رضي الله عنه إلى شمال تشاد ، وذلـــك في ولايـة عمرو بن العاص لمصرأثناء خلافة عمر بن الخطاب ، فيما أثمرت هجرة بعـض الشخصيـات اليمنية المنتسبة لقبيلة "حمير" تحالفا مع قبائل الكانوري، أدى إلى تأسيس أولى الممالك التي تعرف باسم "مملكة كانم" حيث تسلموا سـدة الحكم رغم دخولهم البلاد كتجار ،وكان لهم تـأثير كبير في نشر الدعوة الإسلامية، حيث استمـرت هذه المملكة حتى قبيل الاحتلال الفرنسي بدايات القرن العشرين .
وتشير الدراسات إلى أن الموجة العربية الكبيرة التي جعلت المنطقة ذات طابع عربي إســلامي ، حدثت في القرن الثامن الهجري، بعد قضاء المماليك على ممالك النوبة المسيحية الثلاث، وتمثلت بهجرة قبـائل ربيعـة وجهينة وقريش ، وكان دخولهم بقوة إلى منطقة السودان جنوب النوبة، والإمتداد غربا حتى نهرالنيجر، وقد انقسمت هذه القبائل إلى تجمعات كبيرة .
ومن أهم هذه القبائل قريش ومنها أولاد راشد وينتسبون إلى جدهم جنيد بن شاكر بن أحمد، وانقسمت بدورها إلى عشائر وبطون مختلفة يتفاوت أعدادها وقواتها من بطن إلى آخر وتمتد أراضيهم من غرب دارفور وحتى برنو في نيجيريا والنيجر، ومن ضمنهم العرب المحاميد في النيجر ، ومن بين قبائل قريش أيضا بني مخزوم وقــد دخلـت فيهم كثير من البطون العربية الأخرى وعشائرهم كثيرة العدد، ولكن لا تجمعها وحدة، بل هم أشبه بجزر في محيط من القبائل الأخر، وتمتـد أراضيهم من دار فـور وحتى كانو في نيجيريا في شريط جغرافي عبر سهول السافانا على تخوم الصحراء .
اما قبيلة العطاوة فهم ايضا من أولاد جنيد، وقد انقسمت إلى عشائر وبطون مختلفة وتمتد أراضيهم من بحرالعرب شرقا وحتى بحيرة فتري غربا، وجنوبــا حتى أفريقيا الوسطى، بل تمتد بعض العشائر منهم إلى وسط الكاميرون وشرق نيجريا ، وتأتي أيضا قبائل الحيماد من أبناء جنيد ، وتمتد أراضيهم من منطقة أبشه وتجاه الغرب الجنوبي حتى يقطعوا نهر لوغون، ليصلوا إلى ضفاف نهر بنوى في عمق الأراضي النيجيرية ، وتأتي أيضا قبائل السلامات التي تنتسب إلى جنيد وهي عشيرة كبيرة تمتد أراضيها من بحر الغزال شرقا وتتجه نحو الغرب الجنوبي حتى أوسط الكاميرون ونيجريــــا مرورا بأم تيمان والجنوب التشادي .
وقد أسست القبائل العربية أيضا في أوائل القرن السابع عشر ما يعرف بمملكة "وداي" العباسية بقيادة الشيخ عبد الكريم بن جامع الذي يعود نسبه الى عبد الله بن عباس ابن عبد المطلب ، وما زالت هذه القبائل محافظة على هويتها العربية وهي تشكل الغـالبية السكانية في دولة تشاد، إذ يبلغ عدد العرب في تشاد 45 % تقريبا من عدد السكان ، ومازال في العاصمة انجمينا ما يعرف بسلطان العرب وهو السيد " كشله محمد كاسر " الذي ينتمي إلى الاشراف ويقود حوالي ثلاثة ملايين تشادي في العاصمة وضواحيها .
ويقول السلطان كاسر لموفد وكالة أنباء الشرق الاوسط إلى انجمينا أن حلمه الكبير رحلة يبحث فيها عن الجذور والاهل من أشراف مصر ، وأن الامل في أن يكون هناك تواصل بين الاجيال المتواترة من العرب ، حتى لا تنقطع تشاد عن عمقها الحضاري ، حيث سيكون هذا التواصل رابطا مهما بين الاخوة ، وهو ما يمكن أن ينتج ظروفا أفضل للجميع واستغلالا أمثل للامكانيات التي تمتلكها كل بلد .
ومن جانبه يقول الشيخ الدكتور حسين ابكر وزير الاوقاف التشادي رئيس المجلس الاعلى للشئون الاسلامية إن الموقع لا يشبه الواقع ، فتشاد موقعها افريقي حيث تتوسط القارة بينما واقعها عربي اسلامي بكل المقاييس، ولهذا فان دخول تشاد تحت مظلة الجامعة العربية سوف يمنحها الكثير من الزخم والقوة الدافعة للتطور والنمو .
وأضاف ابكر لموفد "أ ش أ" في تشاد أنه يمكن القول بان " تشاد هو البلد المجهول المخذول ، أي أن الجهل بواقع تشاد الحضاري والانساني والديني سبب حالة من الخذلان من جانب العرب ، لان معظم العرب لا يعرفون حقيقة المجتمع التشادي التي تميل الى بعدها العربي" .
ويؤكد الدكتور حسين مسار وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن ثقافة تشاد عربية بالاساس واللغة العربية منتشرة بنسبة تفوق ال80 بالمائة ، لذلك فان التقارب مع العرب أمر طبيعي ، باعتبار الرابط التاريخي والحضاري ، مشيرا إلى أن اللغة العربية تجد دعما قويا لتمكين أهلها والناطقين بها منذ وصول الرئيس ادريس ديبي الى الحكم عام 1990 .
وقال إن الطابع العربي تم تكريسه من خلال ارادة سياسية حقيقية تدعم توجه تشاد نحو العرب ، حيث أن الاعلام التشادي المرئي والمقروء أفسح مساحة كبيرة للغة العربية ، فيما يتم تعميم الدراسة باللغة العربية سواء منفردة أو متزامنة مع اللغة الفرنسية في كثير من المدارس والجامعات ، داعيا القيادات العربية الى تقديم الدعم اللائق لهذا التوجه من قبل القيادة التشادية .
أما وزير الزراعة قمر السليك أن الجامعة العربية (بيت العرب) حلم ومصلحة لتشاد ، فاللغة العربية اصبحت قضية الجميع ، وليست قضية الناطقين بها او اللذين ينتمون لها عرقيا او مناطقيا او عرقيا ، وكما تحتاج تشاد العرب ليساهموا في نهضتها ، فالعرب يحتاجون تشاد لانها مدخل الى افريقيا .
واوضح ان تشاد احد مؤسسي منظمة المؤتمر الاسلامي (التي تحولت إلى منظمة التعاون الإسلامي) ، ولها دور فاعل في العالم الاسلامي ، كما ان المجتمع التشادي يحافظ على تقاليده وثوابته واللغة العربية هي اللغة الام ، مشيرا الى محاولة تأصيل وتثبيت اللغة العربية كلغة رسمية كان احد اسباب الحرب الاهلية في تشاد .
ويقول بشارة صالح مدير السياحة والفندقة بوزارة السياحة في تشاد إن التعامل بالعملات في السوق التشادي لها مسمى يختلف عن المسمى الرسمي ، فالعملة الرسمية هي الفرنك الافريقي / 100 الدولار تساوي 62 الف فرنك / ، إلا أن التشاديين يصنفون العملة بالريال نسبة الى الريال السعودي ، فمثلا الورقة فئة 5000 فرنك تسمى ألف ريال ، وهذا يدلل على الامتداد العربي لدى غالبية الشعب التشادي .
ويؤكد موجمباي ابولونير مدير عام التعاون الدولي بوزارة الخارجية التشادية أهمية انضمام بلاده لجامعة الدول العربية قائلا إنها ستدعم التعاون مع العرب في كافة المجالات ، وإن تشاد تسعى لذلك لما فيه من منافع كثيرة على كافة المستويات .
وأشار إلى أن تشاد تشارك الدول العربية في عضوية الكثير من المؤسسات والهيئات ومنها منظمة التعاون الاسلامي والمؤتمر الافريقي العربي ، إلا أن الحكومة بانتظار رد نهائي للانضمام إلى الجامعة العربية ، مشيرا إلى أن بلاده حصلت على صفة مراقب منذ العام 2011 ،إلا أنها تطمح في عضوية كاملة في المنظمة الهامة التي تمثل بيت العرب .
واتساقا مع هذا التوجه الرسمي والشعبي بالتوحد مع الحضن العربي وحجز موطيء قدم تحت مظلة جامعة الدول العربية ، استنادا الى موروث تاريخي وحضاري وديني ، فان ما تمتلكه تشاد من كنوز وثروات تجعل منها قيمة مضافة للخيمة العربية ، ولا يأتي وصف هذه البلاد بانها حدائق الذهب من فراغ ، فتشاد تمتلك ثروة معدنية باهرة في باطنها ، أهمها الذهب ، الى الحد الذي بلغ بالسكان أن يلتقطوا الخام من فوق سطح الارض ، خاصة في مناطق مجاورة لمدينة " فيا " واقليم " غيرا " شمال انجمينا ، الامر الذي دعا الدولة الى تنظيم هذا النشاط ، وفتح المجال للشركات الراغبة بالاستثمار .
كما تمتلك تشاد ثروات معدنية أخرى مثل اليورانيوم، والبوكسبت، والحديد، والنحاس في أقصى الشمال ، بالاضافة الى البترول الموجود بكميات كبيرة في المناطق الجنوبية ، وبعض المناطق الاخرى مثل " بركو وانيدي وتبستي ، كما تم اكتشاف كميات أخرى في منطقة " ماو " عاصمة محافظة " كانم " وفي مدينة " الكمرونية " ، وبدأ التصدير من مدينة " دوبا " الى انحاء العالم .
وتبلغ مساحة الاراضي الصالحة للزاعة اكثر من 39 مليون هكتار أي 30 بالمائة من اجمالي مساحة البلاد ، وتتميز تلك الاراضي بالخصوبة العالية وتوافر الامطار من بحيرة تشاد ونهري شاري ولوغون وروافدهما بالاضافة الى 7 بحيرات اخرى ، ناهيك عن الانتاج الوفير للقطن والحبوب ومختلف المحاصيل من الخضروات والفاكهة بالاضافة الى الصمغ العربي.