• احتفال


كتب: حسام إبراهيم
إذ يحتفل المصريون اليوم " بعيد الأم، فإنهم يحتفلون بثقافة وطن وأصالة المرأة المصرية على مر العصور ودورها المجيد في مسيرة وانجازات شعب، فيما تشكل "الأم" مصدرا لمدد مبارك لإبداعات ثقافية في شتى أنحاء العالم.
ولن تنسى الذاكرة الثقافية الإنسانية ابداعات مثل رواية "الأم" للأديب الروسي مكسيم جوركي، ناهيك عن النموذج المصري الطيب "أمينة" كما تجلى في ثلاثية النوبلي نجيب محفوظ، أو قصائد كتبها الشاعر الجزائري الراحل مالك حداد.
فهذا المثقف والشاعر الجزائري الكبير الذي ولد يوم الخامس من يوليو عام 1927 في قسنطينة وقضى في الثاني من يونيو عام 1978 هو أحد الذين تركوا ابداعات خالدة حول "الأم"، وكانت والدته تشعر بالجزع عندما يتعرض للاعتقال من جانب سلطات الاحتلال الفرنسي ليقول في قصيدته "بداية منفى": "جاؤوا إلى بيتي بقسنطينة.. جاؤوا مساء فهم يزعجون الأحلام دوما في المساء.. والدتي وجلة وبيتي يغمض عينيه".
ومالك حداد هو الذي خاطب بالحنين طائر الحسون في قصيدته "العودة" ليقول: "أيها الحسون حدثني عن والدتي"، كما تحدث عنها في قصيدته "سأداوم الحراسة هذا المساء"، واستدعاها في "كليرمون فيرون" بقوله: "أمي تدعى يما وأنا اسميها والدتي"، ثم إنه القائل: "كتبت دوما لأجل ان استحق أمي".
وليس ثمة شك في أن ثورة الاتصالات كان لها ثمنها الفادح وأعباء واستحقاقات جديدة للأمومة ودور الأم بعد أن ظهرت في خضم هذه الثورة تحديات اجتماعية واشكاليات نفسية وحدثت تغييرات جذرية في أنماط الثقافات الأصيلة والمتوارثة وطفحت على السطح مشكلات وانحرافات سلوكية تؤثر سلبا على نوعية الحياة في أي مجتمع والتي تتطلب بطبيعتها نظرة شاملة وكلية.
ولئن أثيرت تساؤلات حول مدى تأثير الثورة الاتصالية والمعلوماتية على نموذج "أمينة" الذي نحته سيد الرواية المصرية والعربية النوبلي نجيب محفوظ للأم في رائعته "الثلاثية"، فإن هناك اتفاقا هاما بين النقاد على ان هذا النموذج للأمومة كان متسقا مع سياق الحياة المصرية كما عبر عنها محفوظ في "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".
وكان النوبلي المصري الراحل قد قال: "ما من شخصية كتبت عنها إلا وقد اخذتها من الحياة المعيشة"، مؤكدا أن "أمينة" كانت تمثل القطاع الأعظم من الأمهات المصريات في تلك الحقبة ما بين ثورة 1919 والحرب العالمية الثانية.
وأكد الروائي المصري الأعظم نجيب محفوظ على أن: "أمثال أمينة كثيرون في جيلها وما بعد جيلها"، فيما تطرق إلى التغيير في نموذج الأم المصرية باعتبار أن كل أم مصرية تكاد نحمل بعض جينات "أمينة" بقوله: "وأمينة لم تتغير إلا بتعليم البنت ثم زاد تغيرها أكثر بعد ان شاركت في العمل بعد التعلم".

والطريف أن نجيب محفوظ مضى مع خياله ليتساءل: "ماذا يحدث ان تمردت أمينة"، مثلما فعلت "نورا" بطلة "بيت الدمية" للكاتب المسرحي النرويجي هنريك ابسن، أما الدال فهو أن ثلاثية محفوظ تبدأ بأمينة وتنتهي بموتها مع الميلاد الجديد للطفلة الوليدة في عائلة السيد أحمد عبد الجواد، أو "أمينة الجديدة في دورة الحياة المصرية".
وإذا كان اسم "أمينة" يتطابق تماما مع صفات الأم المصرية في الحقبة التي تناولها نجيب محفوظ في ثلاثيته، فإنه من اللافت أن الرواية المصرية بعد محفوظ لم تبدع بعد نموذجا للأمومة في السياق الراهن يمكن ان يحرز من الشهرة أو الإعجاب أو الجدل ما نالته "أمينة سيد الرواية المصرية والعربية" الذي قضى في الثلاثين من أغسطس عام 2006.
وقد ينطبق الأمر ذاته على نموذج الأم كما قدمه الكاتب الروسي العظيم مكسيم جوركي الذي قضى في الثامن عشر من يونيو عام 1936 حيث لم يعرف الأدب الروسي المعاصر نموذجا جديدا للأم الروسية في زمن الثورة الاتصالية يحظى بشهرة عالمية مثلما حظت رواية "الأم" التي كان جوركي قد شرع في كتابتها في مستهل الشطر الثاني من العقد الأول للقرن العشرين.
ورغم اختلافات بينة في تفاصيل السياقات الثقافية- الحضارية، فإن العين الناقدة الفاحصة قد تجد بعض أوجه التشابه في الجوهر الطيب للأم المثالية والمناضلة من أجل الحياة الكريمة، كما قدمها جوركي في نموذج "بيلاجي" في روايته التي اكتملت وباتت معروفة بين القراء منذ عام 1922، ونموذج "أمينة" في ثلاثية نجيب محفوظ التي اكتملت عام 1957 واعتبرها نقاد أفضل عمل روائي في تاريخ الأدب العربي.
فالأم كما قدمها نجيب محفوظ ومكسيم جوركي تتحمل وتكابد الكثير من الوان العنت والمشقة والتعسف من جانب الزوج وتضحي دوما من اجل الأبناء وهي تقدم اليوم الشهداء من الأبناء دفاعا عن الوطن في مواجهة الإرهاب الظلامي التكفيري.

وفي سياق الاحتفال بعيد الأم، فإن التحية جديرة بكل أم ومن نافلة القول أن المرأة المصرية كنموذج للصبر والصمود لها دور بالغ الأهمية في بناء "مجتمع السعادة"، فيما يؤكد دستور مصر أن تكفل الدولة اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلا مناسبا في المجالس النيابية، وهو ما تحقق في مجلس النواب الحالي، كما باتت حاضرة بوضوح في ميادين الثقافة والاجتماع والاقتصاد وكل أوجه الحياة العامة.
ويأتي عيد الأم هذا العام بعد أن ضربت المرأة المصرية أمثلة فذة للوطنية والارتباط بتراب مصر وتقديم فلذات الأكباد فداء للوطن وبما يعيد للأذهان دورها الوطني والتحرري في ثورة 1919 وكل المراحل الحاسمة لهذا الوطن.
وبينما تتردد مصطلحات ومفاهيم ثقافية منذ سنوات مثل مفهوم "نوعية الحياة" الذي يتضمن دوما جانبا ذاتيا أو شخصيا رغم أنه يتصل مباشرة بالتنمية الشاملة، فإن الأم تنهض بدور حاسم في إنفاذ هذا المفهوم في حياة الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع، وهي "موئل الحب والحنان" وصاحبة الفضل الأهم في إحساس أفراد أي أسرة بالسعادة والرضا وتحفيزهم على خوض معترك "الحياة الإيجابية والنشطة".
وإذ ترفع مجتمعات متقدمة بالمعنى المادي والاقتصادي في الشمال شعار "الإنسان أولا" لم تعد جهود التنمية تعطي في مجال "نوعية الحياة" أولوية مطلقة للعامل الاقتصادي، بقدر ما باتت معنية بالتفاعل بين الأبعاد المختلفة لتحسين نوعية الحياة والارتقاء بها في سياق يشهد تغيرات تقنية واقتصادية واجتماعية وظهرت فيه ديناميات جديدة ترتبط بمجتمع المعرفة.
ووسط ذلك كله يبقى دور الأم في أي أسرة ساطعا وبارزا في صنع الحميمية والدفء الإنساني بقدر ما هو دور فاعل وحيوي في تحفيز الأبناء على التقدم في مناحي الحياة المختلفة ودعمهم وجدانيا في مواجهة التحديات التي قد تعترض سبلهم.
فالجانب الشخصي أو الذاتي مؤثر في تحديد المتطلبات وبالتالي يتدخل بالضرورة في تحديد طبيعة نوعية الحياة والمكونات التي تدخل في تشكيلها والسبل التي تتيح تلك النوعية المختارة للحياة سواء كانت ثقافية او اجتماعية وتقنية.
ومن هنا تتجلى أهمية دور الأم في هذه العملية لأنها المؤثرة بقوة في تكوين الأبناء وتسهم في صياغة قدرتهم على الاختيار ورؤية كل منهم لنفسه ولاحتياجاته ومتطلباته مع مراعاة التقاليد والتراث الثقافي العام للمجتمع.
وفي وقت تتوالى فيه الدعوات المخلصة لاستعادة منظومة القيم الايجابية والأخلاقية للمجتمع وتتعدد المآخذ والملاحظات السلبية على ممارسات ومفردات في المجال العام، تبقى الأم المصرية "صانعة الحياة الطيبة" وحافظة القيم الأصيلة "لأم الدنيا"، وهي التي تعزز التماسك المجتمعي وتتصدى للقيم الدخيلة والأنماط السلبية التي تهدد تجانس وتناغم نسيج الحياة المصرية، كما أنها القوة المؤثرة بلا جدال في صياغة نظرة الأبناء للحياة وبث الأمل في نفوسهم وهم يتطلعون للمستقبل.

ومن حسن الطالع أن يتزامن عيد الأم في مصر هذا العام مع معرض للفنان حلمي التوني يقام في قاعة "بيكاسو" بحي الزمالك تحت عنوان "عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر"، فيما يعرض هذا الفنان المصري الكبير صورا متعددة للمرأة المصرية كأم وفتاة وكرمز للوطن.
وقد يحق القول بأن التساؤل عن معاناة المبدعة من احتكار الرجال لم يعد صالحا للواقع الابداعي الحالي فيما تمكنت المبدعة المصرية والعربية عموما من فرض نفسها على الساحة.
وفيما يوافق الاحتفال بعيد الأم في مصر يوم 21 مارس بينما تحتفل العديد من الدول "باليوم العالمي للمرأة" في الثامن من مارس كل عام، فإن يوم المرأة المصرية يوافق السادس عشر من مارس حيث خرجت أكثر من 500 سيدة وفتاة في هذا اليوم من عام 1919 في مظاهرة شكلت علامة فارقة في الثورة الشعبية أيامئذ.
ولأستاذة الصحافة الراحلة الدكتورة إجلال خليفة صفحات ناصعة عن تاريخ كفاح المرأة المصرية وكذلك كتاب "المرأة المصرية والتغير الاجتماعي-1919-1945" للدكتورة لطيفة سالم.
وبصرف النظر عن اختلافات في توقيت الاحتفال السنوي بيوم المرأة بين مصر ودول أخرى، فإن هذا الاحتفال يدعو في كل الأحوال لتأمل نضال المرأة من أجل الحياة الكريمة وكذلك ما حققته من انجازات في مسيرتها النضالية الطويلة.
ويقول مثقف مصري معني بحقوق الإنسان وهو عبد الغفار شكر، أن حال المرأة المصرية لا يختلف عن النساء في كثير من البلدان التي شهدت نضالا قويا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، معتبرا أنه يمكن التأريخ لهذا النضال عندما عاد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من بعثته في فرنسا ليصدر كتابا بعنوان "المرشد الأمين للبنات والبنين".
وفي هذا الكتاب انحاز رفاعة الطهطاوي بشدة إلى تمكين المرأة من التعليم الذي يفتح لها الأبواب للتقدم واكتساب مهارات لم تكن متاحة لها في ذاك الوقت، فيما أسست أول مدرسة نظامية لتعليم البنات وهي "المدرسة السنية" التي فتحت الباب أمام إنشاء العديد من مدارس البنات.
والآن، فإن نسبة الفتيات تقارب نصف عدد طلاب الجامعات والمعاهد العليا وهو ما تحقق أيضا في مجال التعليم قبل الجامعي، كما يقول عبد الغفار شكر منوها بالنص الدستوري الذي يؤكد أن الدولة تكفل تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
والديمقراطية، كما ترى مثقفة مصرية كبيرة مثل الدكتورة نوال السعداوي ليست انتخابات فقط، "بل هي الكرامة والحرية والمساواة للجميع والعدالة الحقيقية أو القانون العادل الذي يطبق على الجميع دون تفرقة"، وتنوه الكاتبة والأديبة سكينة فؤاد بأن "الأجيال العظيمة من الصابرات والبناءات والعاملات من حفيدات المناضلات عبر حلقات التاريخ لن يرفعن رايات الاستسلام لأنهن يعرفن كم تحتاج اليهن بلدهن وانهن يتقدمن ارصدة الأمان والتأمين والقوة لها في مواجهة الأخطار والارهاب والمؤامرات".
ولعل علاقة "الأمومة" بين شعب ما ووطنه لا تتجلى على مستوى العالم كله كما هي في الحالة المصرية التي رصدها الصحفي البريطاني ماكس رودنبك في كتابه "القاهرة: المدينة المنتصرة"، ونظرة المصريين لبلادهم باعتبارها "أم الدنيا" فيما ينظر القاهريون لمدينتهم باعتبارها أم المدن في العالم.
تحية "لأم الدنيا" وتحية لكل أم مصرية في عيدها، فيما لن يزيد الغياب كل أم رحلت عن الحياة الدنيا إلا المزيد من الحضور الحبيب وفيض النور والعطر خالدة في الوجدان وفي حنايا اللحظة وكل لحظة.. إنها الجوهر الباقي والحاضر دوما.. سلام على من ترقد مع آخر نجمة وتستيقظ مع أول عصفور.. سلام عليها فهي التي منحتنا معنى الحب وخلود المعنى.