• مصر تشاد


كتب .. محمود الشناوي

يدير السفير أدهم محمد نجيب فريق عمل السفارة المصرية في تشاد ، قليل العدد محدود الإمكانيات، لكنه كثير الانجاز ، وذلك رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة والغلاء الذي وضع العاصمة انجمينا كثالث أغلى عاصمة في العالم ، وفق نمط جديد من الدبلوماسية بعيد تماما عن تعقيدات وبروتوكولات العمل الدبلوماسي المتعارف عليها ، يمكننا أن نطلق عليه " دبلوماسية المودة " ، فالحياة هنا في تشاد ربما تختلف كثيرا عن أساليب الحياة في دول أخري ، وهو ما يفرض نمطا جديدا في التعامل على كافة الصعد ، حتى يمكن الحصول على النتائج المرجوة ، وتحقيق العائد الامثل من التواجد على أرض " دولة حبيسة " ، مازالت في طور البناء والتنمية والتأسيس لدولة حديثة ، وسط بحار متلاطمة من الصراعات الاقليمية والدولية ، وحروب تكسير العظام بين القوى والتكتلات الاقتصادية العالمية ، الساعية لحصد أكبر مكاسب ممكنة من البلد الذي يمتلك كنوزا طبيعية وثروات ، يمكن أن تؤهل تشاد إلى أن تكون واحدة من أغنى دول العالم .
فمنظومة العمل في تشاد لا تتوقف عند حدود الأطر الرسمية المعتادة ، وكذلك تطبع فريق عمل السفارة الذي لا يتجاوز عدد أصابع اليدين ، فلا يمكن أن يكتفي كائنا من كان بنظام المخاطبات الرسمية ، أو بمواعيد العمل الرسمية ، فابواب السفارة مفتوحة على مدى 24 ساعة ، والعاملون بها من التشاديين يعتبرونها بيتهم الكبير ، فيما يعتبر المصريون أنفسهم في نوبة خدمة لا تتوقف ، فالاوضاع لا تحتمل الانتظار في كثير من الاحيان ، وخاتم السفارة جاهز لمنح تأشيرة الدخول الى مصر في أي وقت .
ويدرك الجميع بدءا من السفير أدهم نجيب مرورا بالقنصل سامح اسامه ونائبه اسامة عثمان وباقي فريق العمل ، أن الإرادة السياسية للقيادة المصرية بالانفتاح على أفريقيا ومد جسور التعاون مع الأشقاء خاصة في تشاد ، يجب أن تجري ترجمته على ارض الواقع ، وأن الاعتماد على المنظومة البروتوكولية لا يكفي وحده انجاز أعلى مستوى ممكن من التواجد وتحقيق أعلى عائد من ثمار التعاون على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والصحية ، الأمر الذي أدى إلى طفرة غير مسبوقة في العلاقات بين القاهرة وانجمينا ، رغم المنافسة الضارية من دول تعتبر تشاد ضمن نطاق نفوذها سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا ، ناهيك عن الساعين الجدد لزرع اقدامهم على الارض التشادية .
ويقول السفير ادهم نجيب .. إن عددا كبيرا من البروتوكولات تم توقيعها ، فيما يجري الإعداد لتوقيع حزمة أكبر من هذه البروتوكولات مع الجانب التشادي ، خاصة على صعيد التعاون الأمني والعلمي والتجاري ، مشيرا إلى أن هناك بعض المعوقات التي يجري التعامل معها وتذليلها ، وذلك اتساقا مع التوجه المصري نحو أفريقيا ، حيث كانت أول زيارة خارجية قام بها رئيس الوزراء السابق ومستشار الرئيس ، المهندس إبراهيم محلب إلى العاصمة التشادية في يوليو 2014 .
وأوضح أن تشاد دخلت مؤخرا إلى خريطة عمل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية مع أفريقيا ، حيث يتم ترشيح المئات من أبناء تشاد سنويا للحصول على دورات تدريبية بمصر في مختلف المجالات ، فيما أثمرت الاتصالات والجهود المضنية إلى تدشين خط جوي مباشر بين القاهرة وانجمينا بمعدل ثلاث رحلات اسبوعيا في أول أغسطس 2014 ، بالاضافة الى خط للشحن التجاري " كارجو" في يناير 2016 ، لتسهيل حركة التجارة بين البلدين .
ومن جانبه ، قال سامح أسامة قنصل مصر لدى تشاد إن المستثمر المصري يحظى بقبول لدى المجتمع التشادي الذي يرحب بكل ما هو مصري ، موضحا أن أهم المنشات الموجودة في البلاد ومشروعات البنية الاساسية تمت بايد مصرية ، وينفذها قطاع افريقيا بشركة المقاولون العرب الرائدة ، ويعود سبب القبول المصري الى أن الشركات المصرية تهتم بالواجب المجتمعي والمنافع العامة للبلد الذي تعمل به ، كما أن تحبذ مبدأ الشراكة مع المؤسسات الوطنية .
أما نائب القنصل اسامة عثمان وهو دينامو السفارة ، فلا يرافقك إلى أي مكان سواء كان رسميا أو شعبيا ، إلا وتجد الترحيب غير العادي به ، ويعتبره التشاديون إبنا لهم ، حيث يلجأون اليه في أي ساعة من الليل أو النهار ، للحصول على تاشيرة الدخول أو المساعدة للعلاج بمصر أو الدراسة أو حتى التجارة ، فالرجل يقوم بكل الاعمال متطوعا ، مؤمنا أن العلاقات الإنسانية أساس انجاز أي عمل مهما كانت صعوبته أو حتى استحالته ، ويؤمن أيضا أن دبلوماسية المودة تؤتي ثمارا تفوق أي دبلوماسية أخرى .
ويؤكد نائب القنصل أن عدد تأشيرات الدخول إلى مصر تضاعف مئات المرات خلال العامين الماضيين ، وذلك بسبب التقارب الكبير والتسهيلات التي تقدمها مصر لتشاد ، موضحا أن تشاد تمثل اهمية استراتيجية لمصر وبعدا مهما في ركائز التواجد الفاعل لمصر داخل افريقيا ، وذلك اعتمادا أيضا على العلاقات الاخوية بين القائدين عبد الفتاح السيسي وادريس ديبي .
وأشار إلى أن مصر تقدم الكثير لتشاد من خلال المنح التعليمية والتدريبية والقوافل الطبية ، وايضا من خلال بعثات الازهر الشريف ، وكذلك من خلال المشروعات المزمع تأسيسها للاستفادة من الثروة الحيوانية ومكافحة التصحر في بحيرة تشاد وغيرها من المشروعات الهامة في مجال الزراعة وتجارة المواد الغذائية والطبية .
ولا تتوقف تأثيرات " دبلوماسية المودة " عند حدود الحضور القوي لمصر والمصريين ، بالاضافة إلى التغلب على طبيعة الظروف غير التقليدية التي تعيشها تشاد بسبب طبيعتها الجغرافية كدولة " حبيسة" لا تمتلك حدودا بحرية أو طرق دولية ، مما جعل عاصمتها انجمينا تحتل المرتبة الثالثة كأغلى عاصمة في العالم ، بل أثبتت الوقائع على الارض أن هذا النمط من الدبلوماسية الذي يعتبر خليطا بين الدبلوماسية الشعبية والرسمية مغلفا بارتباط روحي وديني ، يمكنه أن يمنع اختراقات حاول تنفيذها العديد من التحالفات الاقتصادية التي تضم أتراكا واسرائيليين للحصول على مكاسب فلكية جراء استغلال الثروات المعدنية والزراعية والحيوانية .