• غاندى
  • روزا باركس


كتبت - منى فاروق

أضحت الاحتجاجات السلمية أحد أبرز السمات المميزة لنضال الشعوب لنيل حريتها ، فالشواهد التاريخية تؤكد ان النضال السلمى لشعوب عديدة أسفر عن نتائج اكثر ايجابية من آلة الحرب والعنف لانه من المستحيل هزيمة شعب أراد الحياة .

وتجسد الاحتجاجات السلمية ثقافة الشعوب التى تمارسها وأصالتها ، ويبدو ذلك جليا فى أشكال تلك الاحتجاجات ، والشعارات التى ترفعها ، ومشاركة كافة طوائف المجتمع وخاصة المرأة ، والبعد عن العنف من اجل الحفاظ على كافة المنشئات وتجنب التركيز على القضايا الفئوية .

ويعد العصيان المدني أحد أشكال المقاومة السلمية، ويمثل رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو نظام سياسي أو سلطة سياسية تعتبرها المقاومة ظالمة وغير عادلة ، فنرى مثلا في الهند قاد العصيان المدني زعيمها الراحل (غاندي) في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين مما أرغم الاحتلال البريطاني علي الاعتراف باستقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية.
وفي جنوب أفريقيا استخدم العصيان المدني في مقاومة سياسة الفصل العنصرى حتي تحقق ما أراده الشعب بناء علي دعوة (الأسقف دزموند توتو) الحائزة على جائزة نوبل للسلام بالإفراج عن زعيمه (نيلسون مانديلا) وإلغاء الفصل العنصري بعد مسيرة كيب تاون السلمية ، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد تبني (مارتن لوثر كنج) أحد قادة حركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن العشرين أسلوب العصيان المدني .

ويستعرض فيما يلى الحلقة الثانية من اشهر الاحتجاجات السلمية التى بفضلها إستطاعت العديد من الشعوب نيل الحرية والكرامة ونبذ الظلم والاستبداد:


مسيرة الملح

قاد الزعيم الهندى المهاتما غاندي مسيرة الملح التى اعتبرت احد اشهر اشكال العصيان المدنى ، والكفاح السلمى من أجل تحرير بلاده من الاستعمار البريطاني العسكري والتبعية الاقتصادية.

ففي فبراير عام 1930 قرر حزب المؤتمر الهندي بزعامة غاندي، مواصلة استراتيجية العصيان المدني للحصول على الحكم الذاتي، من خلال رفض دفع ضريبة الملح التى فرضها البريطانيون ، ونظم المتظاهرون مسيرة باتجاه مصنع الملح في داندي تأكيدا لرفضهم احتكار البريطانيين لصناعة الملح فى البلاد، وحقهم فى تصنيع الملح بأنفسهم، واستعادة السيطرة على كافة الصناعات الوطنية التى تحتكرها بريطانيا.

وعندما وصلت المسيرة بالقرب من المصنع ، نزل غاندي البحر ورفع صخورا مالحة، رمزا لتحدي قانون الملح، وبداية 17 عاما من العصيان المدني ، وقال غاندي مخاطبا اتباعه وقتها بأن الهدف "ليس فقط اعلان العصيان المدني في الهند، ولكن اقناع الشعب البريطاني بالعصيان المدني بعد ان يتضح لهم الظلم الذي يلحق بالشعب الهندي" .

وكانت بريطانيا كلما واجهت مشاكل مالية وعجزت عن الصرف على حكومتها في الهند، خاصة وقت الحروب، تزيد الضرائب على الهنود، ففى فترة العشرينات أصدرت قانونا يخول لها احتكار صناعة وبيع الملح، وتضمن القانون عقوبة بالسجن ستة شهور على كل من يصنع ملحا، حتى اذا ذهب الى البحر وجمع حجارة الملح.

اضراب الكساد الكبير

إنخفضت مبيعات السيارات الامريكية في مايو 1930 بشكل جذرى وتهاوت اسعارها بسرعة مما أثر على رواتب العاملين بشركات السيارات خلال فترة الكساد الاقتصادى عام 1931 ، حينئذ قام اتحاد عمال شركة جنرال موتورز في مدينة ميتشيجان عام 1937 بإضراب عام ساعدهم الشيوعيون في تنظيمه وتوجيهه ، ضد الشركة ..
وأدى نجاج اضراب العمال الأمريكيين المتحدين ضد جنرال موتورز إلى الاعتراف باتحادهم ، مما نتج عنه موجة من الانتصارات بين الفئة العملية المضطهدة .

روزا باركس

كانت الفتيل الأول لاشعال ثائرة السود بجميع الولايات الامريكية والذين قرروا مقاطعة وسائل المواصلات، والمطالبة بحقوقهم كبشر لهم حق الحياة والمعاملة الكريمة ردا على سن القانون الأميركي الذى يحظر جلوس الرجل الأسود بجوار الرجل الابيض بوسائل المواصلات العامة . .

أما روزا باركز ذات البشرة السمراء، المرأة البسيطة الفقيرة، نطقت بأشهر كلمة "لا "فى عام 1955 في التاريخ المعاصر.، رافضة التخلى عن كرسيها بالحافلة للرجل الابيض ..

وإستمرت حالة الغليان فترة طويلة امتدت لــ381 يوما، وأصابت أمريكا بصداع مزمن ، وفي النهاية خرجت المحكمة بحكمها الذي نصر روزا باركز في محنتها ، وتم الغاء ذلك العرف الجائر وكثير من الأعراف والقوانين العنصرية.

مسيرة واشنطن للحرية

ألقى مارتن لوثر كينج خطبة حملت عنوان "عندي حلم" في مسيرة الحقوق المدنية في واشنطن 28 أغسطس عام 1963، بمناسبة الذكرى المئوية لإعلان التحرير (1863) الذي أدى مع التعديلات الدستورية اللاحقة له إلى إلغاء الرق ومنح السود حق المواطنة .
ووقف لوثر كينج على درجات نصب إبراهام لينكولن التذكاري أمام حشد من المؤيدين بلغ 250 ألف شخص نصفهم تقريبا من البيض، وكان عدد المتحدثين كبيرا، وكلهم أعلام في مجالات الأدب والفن والاقتصاد والحقوق المدنية ، أراد كينج من خطبته كلها أن يقول للسود، إن العدالة يمكن بلوغها بدون عنف، وأن الطريق ممهد من أجل التأسيس لموقف مختلف يفتح الباب أمام التفاوض حول فرص المساواة وإلغاء التمييز..

احتجاج رياضى ضد العنصرية

فى دورة الألعاب الأولمبية عام 1968 والتي استضافتها العاصمة المكسيكية فاز كل من العداء الأمريكي تومي سميث و جون كارلوس بالميداليتين الذهبية والفضية على التوالي بعد تحطيمهما لعدة أرقام قياسية، و إثر صعودهما لمنصة التتويج قاما بأشهر احتجاج رياضي ضد التميز العنصري.

فقرر الرياضيان ارتداء قفاز أسود في قبضته، وعقب اعتلائهما المنصة برفقة الأسترالي بيتر نورمان الحائز على المركز الثالث، وعند بدء عزف النشيد الأمريكي و رفع العلم، خفضا رأسيهما و رفعا قبضتهما عاليا، في حركة تضامنية رمزية ضد التمييز العنصري الذي يعاني منهم السود الأمريكيون و كتأييد غير مباشر لمنظمة الفهود السود خاصة بعد اغتيال الزعيم الأمريكي الإفريقي مارتن لوثر كينج.

وأدى هذا التضامن العلني إلى طرد كلا الرياضيين من القرية الأولمبية و نبذهما من طرف الفريق الأمريكي المشارك في الدورة، بل واحتقار الشارع الأمريكي لهما بعد العودة لأرض الوطن محملين بالميداليات و الألقاب، و تلقيهما تهديدات دفعت زوجة جون كارلوس إلى الانتحار، وتحطم مستقبلهما الرياضي.

مسيرة الزهور ضد الاسلحة

نظمت لجنة التعبئة الوطنية لإنهاء الحرب في فيتنام مظاهرة مناهضة للحرب أمام البنتاجون يوم 21 أكتوبر 1967، وجاءت الصور التي نشرت حينها لمواطنين يمسكون بالورود امام المجندين من الحرس الوطنى الذين أشهروا أسلحتهم امامهم .

رجل الدبابة أو الثائر المجهول

في 5 يونيو1989 وقف أحد الطلبة الصينيين المتظاهرين في الميدان السماوى ( تيانانمين ) ببكين أمام اسطول من الدبابات الذى نشرته السلطات الصينية لقمع الحركة المطالبة بالديموقراطية ، فحاولت الدبابة التي كانت في المقدمة تحاشيه، ولكن الشاب أصر على الوقوف في وجهها، ثم تسلق الدبابة وتحدث مع قائدها بعد أن أجبره على إطفاء محركها لم يعرف أحد على وجه الدقة اسم الرجل الذي قام بهذا العمل الجريء ولا الحديث الذي دار بينه وبين قائد الاسطول، والذي أحدث ردود أفعال عالمية كبيرة، ولكن الصحافة أطلقت عليه لقب (رجل الدبابة) أو الثائر المجهول.