• الكاكاو


تقرير عصام الدسوقى

لم تغب عن غانا ذكريات أيامها الخوالي في سبعينيات القرن الماضي حين كانت تتمتع بالصدارة كأكبر مصدر للكاكاو في العالم، بعدها أُرغمت غانا على التنازل عن عرشها لمصلحة جارتها كوت ديفوار التي صعدت بسرعة الصاروخ لكي تحتل المركز الأول، ولتكتب على منافستها التراجع إلى المركز الثاني الذي لازالت تحتله حتى هذه اللحظة.
وبعد أن كان محصول الكاكاو يمثل أكبر مصدر للعملات الأجنبية في غانا مساهماً بنسبة 45 في المائة من إيرادات البلاد من العملات الصعبة انحسرت تلك المساهمة لتصل إلى 25 في المائة بصعوبة، ويعزى ذلك التراجع إلى عزوف مزارعي الكاكاو الغانيين عن مواصلة أنشطتهم، بل بادر بعضهم ببيع أراضيهم والاستغناء عن النشاط بأكمله، وهو ما يراه البعض تداعيات لسياسة زراعية طبقت في السبعينيات وخفضت بموجبها أسعار حبوب الكاكاو التي يوردها المزارعون للحكومة.
وتلخص المسؤولة البارزة في "اتحاد مزارعي الكاكاو" في غانا، نانا كوازي أوفوري، أزمة عزوف المزارعين وبيع بعضهم للأراضي بقولها "هم لا يدركون ماذا يفعلون، فالكاكاو إرث يمكن أن نورثه لأطفالنا وأحفادنا، وليس مجرد دفعة مالية نتلقاها مرة واحدة... وينتهى الأمر."
وبالنسبة لكثير من المهتمين بزراعة الكاكاو في غانا أصبحت الأوضاع داخل مزارع الكاكاو أشبه بمن "يبيع سنابل الذهب مقابل أصابع من الشيكولاتة"!
واجتمعت عوامل عدة لتؤدي إلى حالة الانحسار والتراجع التي مني بها محصول الكاكاو في غانا من بينها قضية توزيع منتجات مدعومة على المزارعين مثل الأسمدة والمبيدات، وهي سياسة معطوبة أحاطتها شبهات كثيرة وأخطاء فادحة.
ويعلق أبوسوبانيين كوابينا أمانكوا وهو مزارع غاني متخصص في زراعة الكاكاو "لم يحصل جميعنا على الأسمدة المجانية، فقد وظفت تلك الآلية سياسياً، فالبعض ممن يملكون أربعة فدادين كان من الممكن أن يحصل على 50 جوالا ً من الأسمدة، بينما غيرهم من أصحاب المزارع الكبيرة كانوا يحصلون على كميات أقل بكثير."
وتعاود أوفوري استعراضها للمشكلة بقولها إن "مزارعين ممن لا يزرعون الكاكاو كانوا يحصلون على جانب من المحصول والإيرادات".
ويقر رئيس مجلس إدارة "مجلس الكاكاو" الغاني، جوزيف بايدو، بوجود فساد في المنظومة مبيناً أنه من خلال تواصله مع المزارعين اكتشف أن الأسمدة الغانية- التي يفترض أنها غير مخصصة للبيع- كانت في الواقع تباع في نيجيريا والجابون وغيرها من البلدان الأفريقية المجاورة، وهذا يعني أن الأسمدة المجانية كانت تمنح لأطراف سياسية وأعوان سياسيين لم يكونوا من مزارعي الكاكاو.
وأمام تلك الممارسات غير المشروعة، قررت الحكومة الغانية الجديدة وقف برنامج توزيع الأسمدة المجانية الذي أثار الكثير من شكاوى المزارعين، وبدلا من ذلك ترغب في بيع الأسمدة بأسعار مدعومة للمزراعين.
ورغم الضربة القاسية التي تعرضت لها غانا في الأسواق العالمية بتقهقرها إلى المركز الثاني قبل أكثر من أربعة عقود، فإن مزارعي غانا ومسؤوليها لا يزالون يشعرون بالفخار والمجد ويتباهون بأنهم أصحاب أفضل حبيبات كاكاو في العالم؛ فكالكاو الغاني هو الأكبر حجماً، والأعلى جودة، وصاحب أكبر محتوى لزبدة الكاكاو، فضلاً عن أنه ذو نكهة لا تقاوم جعلته يتربع كمؤشر قياسي عالمي تقاس على أساسه جودة حبوب الكاكاو المزروعة في أنحاء العالم.
ولأن أمجاد عرش الكاكاو لازالت تداعب المزارعين والمسؤولين الغانيين، فإن قطاع زراعة الكاكاو في غانا يسعى لاستعادة تطبيق النظام الصارم في عملية الزراعة والحصاد وتجفيف حبوب الكاكاو، وهي برامج عملية وتدابير تشرف عليها دوائر حكومية ومجلس الكاكاو الغاني.
وللحفاظ على سمعة الكاكاو الغاني في الأسواق العالمية تستخدم الوسائل الطبيعية لتجفيف حبوب الكاكاو تحت أشعة الشمس، بدلاً من الوسائل الحرارية الصناعية، وما هي إلا أسبوع حتى تتخذ حبوب الكاكاو رونقها ولونها البني المشرب باللون الذهبي الذي يتميز به الكاكاو الغاني.
وتستهدف غانا إنتاج مليون طن من الكاكاو سنويا، وهو المستوى الذي تمكنت فيه البلاد من تحقيقه في عام 2000، غير أنها تكافح منذ ذلك الوقت للابقاء على المستوى ذاته إذ يتأرجح الإنتاج السنوي حول مستوى 800 ألف طن. وقررت الحكومة الغانية في الأعوام السابقة تخفيف التكاليف وتقديم العون الفني المطلوب من خلال تقديم أنواع ملائمة من الكيمياويات والأسمدة لمزارع الكاكاو في أنحاء البلاد في مبادرتين أطلق عليها "ممارسة الرش الواسع"، و"برنامج التقنيات المتطورة".
وكانت حكومة غانا قد أطلقت برنامجاً لإعادة تأهيل أشجارالكاكاو القديمة ومنخفضة الإنتاج من خلال نزعها وإحلالها بأشجار جديدة من سلالات مهجنة تدر محصولاً أعلى دون أن يتحمل المزارع أي تكاليف. وأثمرت تلك التدابير الزراعية نتائج ملحوظة بدت تأثيراتها على محصول حبوب الكاكاو وتمكنت البلاد من تسجيل رقمها القياسي لتتخطى حاجز المليار طن في عام 2001، غير أن الحكومة عجزت عن ضمان استدامة تلك البرامج.
وواجه قطاع زراعة الكاكاو في غانا العديد من التحديات التي أثرت عليه كثيراً خلال العقود الأربعة الأخيرة وسحبته من عرش العالم إلى المرتبة الثانية سواء بقرارات تسعير حكومية غير مدروسة وسوء السياسات الزراعة المطبقة والفساد الذي اعترى تطبيقها بالنسبة للأسمدة والكيمياويات، وهي عوامل أضرت بالكثير من مزارعي الكاكاو في غانا وأدت إلى عزوف المستثمرين الجديد عن الدخول إلى أنشطة الكاكاو.
ورغم تعاظم أثر تلك التحديات فإن الحكومة والمهتمين بزراعة الكاكاو في غانا استطاعت التعايش معها نسبياً ومضت في سبيل مواجهتها والحد من تأثيراتها، بيد أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحد هائل أخذ في الظهور كمهدد حقيقي لصناعة الكاكاو في غانا، يتمثل في عمليات التنقيب غير المشروعة عن المناجم، والتي يطلق عليها باللغة المحلية "جالامسي"، فقد انتشرت ما بين عامي 2012 و2016 حمى البحث عن الذهب في الأراضي الغانية، الأمر الذي بات يهدد معيشة العديد من مزارعي الكاكاو، فالعاملون في مجالات التنقيب غير المشروعة (الجالامسي) يسعون بشراهة إلى الاستحواذ على مزارع الكاكاو.
وتعبر عضوة "اتحاد مزارعي الكاكاو"، نانا كوازي أوفوري، عن الأزمة بقولها "بعض أصحاب المزارع هم أنفسهم جزء من المشكلة التي نواجهها، فهم يبيعون الأراضي للمناجم، ويجمعون المال لأنفسهم، وأحياناً لا يمنح المزارعون أي تعويضات"
وأمام خطورة المشهد بالنسبة لزراعة الكاكاو، شنت حكومة أكرا حملة ضد أعمال المناجم غير المشروعة "الجالامسي"، بواسطة قوات ساندتها القوات المسلحة الغانية، وتمكنت من القبض على أعداد من المنقبين غير الشرعيين ومصادرة معداتهم.
وصعدت الحكومة من حملتها ضد أنشطة "الجالامسي"، بإعلان وزارة الأراضي والموارد الطبيعية أخيراً عزمها شراء طائرات بدون طيار بقيمة 3 ملايين دولار لاستخدامها في مسح الأراضي ومراقبتها والكشف عن الأنشطة غير المشروعة.
ويظل الكاكاو أهم محصول في غانا لأنه يدر علليها عملات صعبة تصل إلى حوالي ملياري دولار سنوياً، مساهماً بذلك بنسبة 22ر4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أمر يتم برعاية الحكومة وتدخلها من أجل ضمان استقرار الأسعار.
ولعل أهم مثال في هذا الصدد، حينما قامت حكومة كوت ديفوار بخفض أسعار الكاكاو بنحو الثلث تقريبا ليصل إلى 700 فرنك أفريقي للكيلو جرام (بما يعادل نحو 1300 دولار للطن)، فقد أعرب العديد من الغانيين عن انزعاجهم خشية أن يؤدي ذلك الإجراء إلى عودة التجربة المريرة لتهريب الكاكاو عبر الحدود (وكانت غانا في الماضي عانت كثيراً من تهريب منتج الكاكاو إلى البلدان المجاورة نتيجة لفروق الأسعار في الأسواق).
وهنا يبرهن أستاذ علوم الغذاء والتكنولوجيا في جامعة غانا، البروفيسور إيمانويل أفواكوا، على موقف الحكومة الغانية الداعم لصناعة الكاكاو بقوله "ليس من المرجح أن تتخاذل غانا عن حماية جودتها المطلقة، لذا فإن هناك تدابير صارمة لضمان عدم دخول الكاكاو من كوت ديفوار أو أي دولة أخرى إلى داخل البلاد"، مضيفاً "يتعين على المزارعين أن يسعدوا بأن الحكومة مهتمة برفاهيتهم لأنها تخسر 500 دولار مقابل كل طن من الكاكاو تشتريه منهم".
كما تقوم الحكومة الغانية بإطلاق برنامج لتأهيل الشباب وتشجيعهم على الدخول إلى قطاع إنتاج الكاكاو بدلا من كبار السن من المزارعين، وذلك رغبة منها في تدعيم مفهوم القيمة المضافة إلى منتج الكاكاو الذي تقوم بتصديره للخارج.
يقدر حجم السوق العالمي لحبوب الكاكاو الخام غير المصنعة بنحو 9 مليارات دولار، لكنه يصل إلى 28 مليار دولار لمنتجات الكاكاو نصف المصنعة والمنتجات الوسيطة، ويقفز إلى مستوى 87 مليار دولار للسلع تامة الصنع/ المنتجات النهائية.
ويرى البروفيسور أفواكوا أن حكومة بلاده تحاول الحصول على حصة من كعكة الـ87 مليار دولار من خلال تصنيع نصف صادراتها من الكاكاو. وتعمل في الوقت الراهن سبع شركات بمستويات مختلفة من القيمة المضافة في مجالات تصنيع الكاكاو، بنسبة تصل إلى 25 في المائة من صادرات البلاد من الكاكاو، غير أن معظم ما يتم تصديره من تلك المنتجات تخرج في صورة سلع نصف مصنعة كمعجون الكاكاو.
وأكد أفواكوا أن هناك احتياجات استثمارية ضخمة لازمة لتصنيع الكاكاو حتى يخرج في صورته النهائية كسلعة كاملة الصنع أو كمنتج نهائي، وهو ما يمثل عقبة كبرى غانا في هذا المضمار، كاشفاً النقاب عن تحديات وعقبات أخرى تقف حائلاً أمام حلم غانا للتصنيع الكامل للكاكاو أهمها حوائط التعريفات الجمركية الهائلة التي تحول دون دخول منتجات الدول النامية إلى الأسواق الكبرى في العالم المتقدم.
ويسوق مثالاً بالاتحاد الأوروبي الذي يسمح بدخول حبوب الكاكاو إلى أسواقه دون فرض أي رسوم جمركية، لكنه يفرض تعريفات نسبتها 7ر7 في المائة على بودرة الكاكاو، وتتضاعف تقريبا لتصل إلى 15 في المائة على منتجات الكاكاو تامة الصنع... ولا عزاء لمصدري السلع الأولية من العالم النامي!.