• ماكرون


تقرير: هبه الحسيني..مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط

تشهد الساحة السياسية الفرنسية تقلبات ملحوظة خلال الفترة الراهنة خاصة مع اقتراب مرور 100 يوم على حكم الرئيس إيمانويل ماكرون، وهي الفترة التي يعتبرها المراقبون فترة تقييم سياسات الرئيس الجديد خلال الأشهر الأولى من حكمه، ومؤشرا على مدى نجاحه في تحقيق وعوده الانتخابية.
وخلال المراحل الأولى من عهده، نجح ماكرون في تحقيق بعض النجاحات الدبلوماسية الملحوظة على الصعيد الخارجي، بينما تراجعت شعبيته مؤخرا بسبب عدد من الإجراءات الداخلية التي لم تلق قبولا واسعا في الشارع الفرنسي.
في هذا السياق، كشف أحدث استطلاع للرأي "هاريس انتريكاتيف" في 28 يوليو الجاري انخفاض شعبية الرئيس ماكرون إلى 51%، بينما انخفضت شعبية رئيس وزرائه إدوارد فيليب إلى 49%، كما كشف الاستطلاع تراجع شعبية بعض الوزراء بالحكومة مثل وزير الانتقال البيئي نيكولا هولو الذي انخفضت شعبيته إلى 59%، ووزير الخارجية جون ايف لودريان الذي وصلت شعبيته إلى 54%.
لم يكن هذا الاستطلاع الأول من نوعه بل أظهر استطلاع آخر أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام "ايفوب" ونشرته صحيفة "لو جورنال دو ديمانش" في 23 من الشهر الجاري تراجع شعبية الرئيس ماكرون 10 نقاط حيث وصلت إلى 54 بالمئة في يوليو بعد أن كانت 64 بالمئة في يونيو الماضي، كما أظهر الاستطلاع أن شعبية رئيس الوزراء تراجعت بدورها بقوة بحيث انخفضت نسبة الراضين عن أدائه بنسبة 8% في شهر واحد من 64% إلى 56%.
ويعتقد المحللون الفرنسيون أن السبب وراء هذا التراجع الملحوظ في شعبية الرئيس وأعضاء حكومته يرجع إلى مجموعة من القرارات التي اتخذها الرئيس وأثارت جدلا واسعا داخل الشارع الفرنسي، والتي كان من أبرزها قرار الرئيس ماكرون تخفيض الإنفاق الحكومي بحوالى 13 مليار يورو، لتتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي القاضية بأن تكون نسبة العجز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتّفق تنفيذ ذلك مع رؤية ماكرون التي تقضي بتقليص القطاع العام في فرنسا على حساب توسيع القطاع الخاص.
وبدأ ماكرون أولى خطواته في تنفيذ هذه السياسات بقرار خفض النفقات العسكرية ب 850 مليون يورو، وقال إنه سيخفض من موازنة الجيش أيضًا 2% حتى عام 2025، ولم تلق هذه القرارات قبولا لدى قيادات أركان الجيش الفرنسي وأدت إلى استقالة وزير الدفاع الفرنسي الجنرال بيير دو فيليبيه.
من القرارات أيضا التي أثارت جدلا لدى الرأي العام قرار خفض المكاسب السكنية المعروفة باسم "المساعدة الشخصية للسكن"، والتي سوف تنخفض بنسبة 5 يورو في الشهر بداية من أكتوبر 2017 مع توقعات بحدوث تخفيضات كبيرة خلال الفترات التالية.
إضافة لذلك يعتبر إصلاح قانون العمل من أكثر القضايا الجدلية التي أطلقها الرئيس ماكرون خاصة بعدما وافقت حكومة فيليب نهاية الشهر الماضي على الخطوط العريضة للتعديلات في القانون، مع اعتزامها إدخال إطار عمل جديد في سبتمبر بموجب مرسوم لتجنب الوقوع في جدل برلماني طويل الأمد يتعلق بعدة تعديلات، وهو الأمر الذي لم يلق قبولا لدى الحركة النقابية في فرنسا، وطلبت الحكومة من البرلمان سلطة التفاوض في التفاصيل خلال أشهر الصيف مع اتحادات العمال وأصحاب العمل.
ومن المقرر أن تركز المحادثات على 3 مجالات رئيسية هي تقييد تعويض الفصل والأعباء الأخرى التي تتكبدها الشركات عند إقالة موظفين، وتبسيط مجالس تمثيل العمال، واتخاذ قرار بشأن من يجب أن يتفاوض في الأجور.
وبحسب استطلاع لمعهد "إيلاب" نُشر مؤخرا، فإن 61% من الفرنسيين قلقون من مشروع إصلاح القانون العمل الذي تعده الحكومة ويرفض 58% منهم نظام المراسيم لاعتماد التشريعات دون نقاشها في البرلمان.
أما على الصعيد الخارجي فقد نجح الرئيس ماكرون في تحقيق بعض الإنجازات الدبلوماسية الملموسة، فمن ناحية كشف استطلاع سنوى، يدرس مدى تأثير النفوذ العالمى غير العسكرى للدول، أن فرنسا احتلت المرتبة الأولى في الدول الأكثر تأثيرا في العالم كقوة ناعمة متجاوزة بذلك بريطانيا والولايات المتحدة، وأشارت صحيفة "الجارديان" البريطانية إلى أن صعود فرنسا من المركز الخامس إلى المركز الأول يوضح مدى تأثير الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون في إنعاش الدبلوماسية الفرنسية والدور الذي لعبه لاستعادة مكانة فرنسا على الساحة الدولية،إلى جانب الشبكة الدبلوماسية الواسعة لفرنسا من حيث العضوية فى مؤسسات دولية ومتعددة الأطراف.
ويتفق عدد كبير من المراقبين على أن ماكرون نجح حتى الآن في إطلاق عدد من المبادرات على الصعيد الخارجي وإحراز نجاحات دبلوماسية واضحة، فبعد تولي ماكرون مهام الرئاسة في مايو الماضي، وجه الدعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة فرنسا لافتتاح معرض في فرساي بمناسبة حلول الذكرى الـ 300 لزيارة القيصر بطرس الأكبر إلى فرنسا عام 1717، ووفقا للمراقبين هدف ماكرون من هذه الزيارة فتح صفحة دبلوماسية جديدة في العلاقات المتوترة بين موسكو وباريس على خلفية السياسة الروسية في سوريا وأوكرانيا، والتأكيد على عراقة العلاقات الفرنسية الروسية ومتانتها.
وعندما وجه الرئيس ماكرون الدعوة لنظيره الأمريكي دونالد ترامب للمشاركة في احتفالات العيد الوطني في 14 يوليو، أو ما يعرف بـ"عيد الباستيل" نظر العديد من المراقبين إلى هذه الخطوة باعتبارها تصرفًا ذكيًا من الرئيس الفرنسي يلعب بها على شخصية الرئيس الأمريكي المحبة للظهور الإعلامي والعروض العسكرية، كما أنها محاولة من ماكرون للعب دور الوسيط مع ترامب لتفادي ازدياد عزلة الولايات المتحدة على الساحة العالمية، خاصة بعدما أعلن ترامب في يونيو الماضي انسحاب بلاده من اتفاق باريس للمناخ وهو الأمر الذي أثار انتقادات واسعة من مختلف قادة الدول الأوروبية، لذلك نظر كثيرون إلى هذه الزيارة وكأنها محاولة من ماكرون التأثير في توجهات الرئيس الأمريكي عبر عناصر الدبلوماسية الفرنسية الناعمة.
في السياق ذاته، تمكن الرئيس ماكرون من تحقيق نجاح دبلوماسي هام في ملف القضية الليبية بعد أن تمكن من جمع الغريمين الأساسيين رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وقائد الجيش الليبي الوطني خليفة حفتر سويا الثلاثاء الماضي في ضاحية "سال سان كلود" غربي باريس.
وأثارت المبادرة الفرنسية باستضافة المحادثات الخاصة بالقضية الليبية غضب بعض المسئولين الإيطاليين الذين رأوا في هذه المبادرة مثالا على تجاهل الرئيس ماكرون لإيطاليا باعتبارها الطرف الراعي لجهود السلام في ليبيا،غير أن الجانب الفرنسي نفى ذلك مؤكدا أن هذه المبادرة لا تعني عدم الاحترام لإيطاليا وأنها لا تستثني الآخرين.
في ضوء ما سبق يبدو جليا أنه على الرغم من الإنجازات الملحوظة التي حققها الرئيس ماكرون على الصعيد الخارجي وجهوده في تعزيز مكانة فرنسا دوليا، غير أن التحديات الداخلية الجادة التي تواجهه تشكل تهديدا خطيرا لشعبيته وتثير القلق حول ما يمكن أن تفرزه هذه التحديات من تغيرات جذرية داخل المشهد الفرنسي.