• خريطة أوروبا


كتب: علي قطب (منتدي الشرق الأوسط للحوار)
يخيم الغموض على مستقبل العلاقات التركية الأوروبية على خلفية القرار الذي اتخذته الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي بشأن عودة تركيا إلى مرحلة المراقبة مرة أخرى ووصول التوتر القائم بين بروكسل وأنقرة إلى ذروته، حيث أعادت تركيا مرة أخرى ،وبموافقة عدد كبير من الأصوات ، إلى الموقع الذي تجاوزته في عام 2004 بموافقة ساحقة وأسقطتها من نادي الدول الديمقراطية.
فقد قررت الجمعية البرلمانية بالمجلس الأوروبي وضع تركيا تحت المراقبة السياسية مرة أخرى مثلما كان الوضع قبل عام 2004، مرجعة سبب هذا إلى عدم عمل المؤسسات التركية بالمعايير الأوروبية - حسب الجمعية - .
وتتشكل الجمعية البرلمانية بالمجلس الأوروبي من ممثلين عن الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي، ويمثل تركيا فيها 10 نواب من حزب العدالة والتنمية و5 نواب من الشعب الجمهوري ونائبان من الشعوب الديمقراطي ونائب واحد من الحركة القومية.
وقد تصاعدت الأزمات بين أنقرة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي مؤخرا، على خلفية منع عدد من الدول الأوروبية ومنها: (ألمانيا، وهولندا، والنمسا، والسويد، والدنمارك) عقد اجتماعات جماهيرية انتخابية للتعريف بالتعديلات الدستورية الجديدة على الدستور التركي التي جرت في 16 أبريل الجاري ، وازداد التصعيد حيث اتخذت الأزمة أبعادا سياسية ودبلوماسية بل وعسكرية أيضا، حيث أعلنت أنقرة السفير الهولندي بتركيا شخصا غير مرغوب فيه وعليه عدم العودة مرة أخرى لتركيا، ثم اتخذ المجلس الأوروبي قرارا بوقف المساعدات المالية لأنقرة.
كما ألقت هذه الأزمات بظلالها على التعاون العسكري بين أنقرة ودول حلف (الناتو) حيث ألغت النمسا مشاركتها في تدريب عسكري مع أنقرة مما دفع حلف (شمال الأطلسي- الناتو) لدعوة البلدين لحل تلك الأزمات بهدوء، وهو الأمر الذي أضفى أبعادا عسكرية على الأزمات السياسية والدبلوماسية بين أنقرة وعدد من الدول الأوربية.
لكن المراقبين والمتابعين للعلاقات الأوروبية التركية يدركون أن رياح الخريف كانت تهب بين أنقرة وبروكسل قبل نحو عام، ففي العشرين من مارس الماضي توصلت تركيا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاقية لوقف تدفق اللاجئين على أوروبا وفُتح الطريق أمام إعفاء الأتراك من تأشيرات دخول أوروبا بنهاية يونيه الماضي كحد أقصى. وكان يتوجب على تركيا تنفيذ 72 شرطا، غير أنها لم تتمكن من تنفيذ كل الشروط في غضون العام الماضي، ومع ابتعاد احتمالية دخول الأتراك إلى أوروبا بدون تأشيرة بلغت المصادمات ذروتها.
لكن أوروبا، أيضا، لم تنفذ الشروط المفروضة عليها، طبقا للمراقبين، وبدأ التوتر بينهما يتزايد عقب محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو الماضي، فالمفوضيات الأوروبية وجهت انتقادات عنيفة ومتتالية إلى تركيا بسبب ما وصفته بـ "انتهاكات حرية التعبير عن الرأي" والضغوط الممارسة على الإعلام بالاعتقالات والفصل الجماعي.
في المقابل ، ردت تركيا على النحو ذاته من العنف متجاهلة ردود الفعل الواردة من أوروبا، وقطعت الروابط بين تركيا وأوروبا مع رفض بعض الدول السماح للوزراء الأتراك بعقد لقاءات جماهيرية على أراضيها من أجل الاستفتاء ووجهت إدارة أنقرة رسائل شديدة اللهجة إلى هولندا على خلفية هذه الأحداث.
ويري المراقبون أن منع تنظيم اجتماعات انتخابية للتعريف بالتعديلات الدستورية لم يكن السبب الوحيد في توتر العلاقات التركية الأوروبية، لكنه كان السبب المعلن أو "القشة التي قصمت ظهر البعير"، فهناك عدة ملفات عالقة غير معلنة تعد هي الأساس في توتر العلاقات بين الطرفين ولن يتم تطبيع العلاقات بشكل كامل بينهما دون إيجاد حلول لها.
فمن بين هذه الملفات تغير أولويات السياسة الخارجية التركية ووجود تقارب تركي روسي بلغ حد التعاون العسكري ولا أدل على ذلك من صفقة الصواريخ#### (S400) #### التي تتعاقد أنقرة حاليا على شرائها من موسكو لتكون الدولة الأولى في الشرق الأوسط التي تمتلك تلك الصواريخ، بالإضافة إلى المخاوف الأوروبية من طموح أردوغان بالسلطة خاصة بعد تعديل الدستور وتحويل تركيا من النظام البرلماني ذي الرأسين، إلى نظام رئاسي يرسخ لحكم الحزب الواحد وحكم الفرد، والخلاف حول اتفاق تدفق اللاجئين فور اشتعال الأزمة هدد أردوغان بإلغاء اتفاق مبرم مع الإتحاد الأوروبي لكبح الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين لأوروبا، كما هدد بترحيل 400 ألف لاجىء شهريا لأوروبا، وكان الاتفاق قد وقع في مارس 2016، بين الطرفين بموجبه ستحصل أنقرة على ما يقرب من 6 مليارات دولار، وإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول إلى البلدان الأوروبية مقابل حل مشكلة اللاجئين وتوطينهم داخل حدود تركيا.
ويرجح المراقبون، رغم هذا القرار، أن تتعامل أوروبا مع الأمر بواقعية سياسية، وتنتهج لغة خطاب جديدة مع أردوغان وحزبه، الذي أصبح عمليا يسيطر على المشهد السياسي ولسنوات عديدة قادمة في تركيا، ذلك لأن أوروبا لا تستطيع التخلي عن تركيا، فهي تري أن تركيا دولة مهمة جدا لها اقتصاديا وأمنيا، وهي الرابط البري بينها وبين دول غرب أسيا، وكونها تسيطر أيضا على مضيق البوسفور المهم، بالإضافة لكون تركيا تعتبر حائط صد بينها وبين عالم مضطرب أمنيا وسياسيا، والمتمثل بسوريا والعراق، وبالتالي فإن أوروبا لن تغامر كثيرا بفقدان تركيا تماما.
وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تعمل أوروبا على ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلا إنها ستحتفظ بها كشريك تجاري وسياسي ببعد استراتيجي، ومن المرجح أن تعمل أيضا على تجديد تعاملها مع معارضة تركية جديدة غير الحالية ، التي يري المراقبون لتطورات الأوضاع في تركيا ، أنها استهلِكت ولم تعد تؤثر في الناخب التركي.