• الجولة الثانية من الانتخابات الفرنسية


رأى الكاتب البريطاني جدعون راخمان، أن الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية قد أكدت الاتجاه الجديد في السياسات الدولية.
وقال راخمان - في تعليقه بصحيفة الـفاينانشيال تايمز- إن الفارق السياسي الأهمّ في دولة بعد أخرى لم يعُدْ بين اليسار واليمين وإنما بات بين النزعتين القومية والعالمية.
وأكد الكاتب أن عام الفتح المبين للقوميين كان هو 2016 حيث شهد انتصار بريكسيت (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) وانتصار دونالد ترامب في الولايات المتحدة؛ لكن الانتخابات الفرنسية تقول إن فرنسا ومعظم القارة الأوروبية ستظل في جانب النزعة العالمية.
وقال راخمان إن السباق بين مارين لوبان وإيمانويل ماكرون في الجولة النهائية للانتخابات في السابع من الشهر المقبل سيكون سباقا كلاسيكيا بين نزعة قومية وأخرى عالمية؛ وتريد لوبان أن تسحب فرنسا خارج العملة الأوروبية الموحدة وأن ترفع التعريفات الجمركية وأن تعزز السيطرة على الحدود وأن تتصدى للهجرة؛ أما ماكرون فهو مؤيد متحمس للاتحاد الأوروبي ومؤمن بالتجارة الحرة وذو اتجاه ليبرالي إزاء اللاجئين.
ورجح الكاتب أن تتحقق ما أشارت إليه نتائج استطلاعات الرأي من أن المرشح صاحب النزعة العالمية ماكرون سيحرز انتصارا سهلا في الجولة الثانية للانتخابات على حساب المرشحة صاحبة النزعة القومية مارين لوبان.
ولأن السباق بين "ماكرون" و"لوبان" هو جزء من صراع أيديولوجي عالمي، فإن نتيجة التصويت في فرنسا، بحسب الكاتب، ستكون مراقَبة عن كثب باهتمام بالغ من باقي العالم؛ وسيلقى الفوز المرجح لماكرون ترحيبًا مصحوبًا: بالسرور في بروكسل وبرلين، وبخيبة الأمل في الكرملين والمكتب البيضاوي في واشنطن، وبخليط من المشاعر في لندن.
ونوه صاحب المقال عن أن مارين لوبان اعتمدت في حملتها الانتخابية على محاور شبيهة بتلك التي اعتمد عليها ترامب في حملته الانتخابية، على الرغم من أن لغتها كانت أكثر اعتدالا من لغة الرئيس الأمريكي... وإذا أصيب ترامب بخيبة الأمل حال فوز ماكرون، فإن مستشاريه للأمن القومي -ممن يعتنقون رؤى أقل غرابة من رئيسهم- سيشعرون بالارتياح إزاء هذا الفوز (المرّجح لـماكرون).
وعن خيبة الأمل الروسية إزاء الفوز المرّجح لـماكرون، فإنها ستكون أكثر وضوحا، بحسب الكاتب؛ ذلك أن ماكرون كان المرشح الوحيد في الجولة الأولى من التصويت الذي دعم اتجاها حادا ضد روسيا بقيادة بوتين الذي دعم لوبان بشدة كاستثمار لحالة التشتت في الاتحاد الأوروبي.
أما ردّ الفعل البريطاني، بحسب راخمان، إزاء الفوز المرجح لـماكرون فسيكون خليطا من الارتياح والترقب؛ إن حكومة تيريزا ماي تقاوم توصيف بريكسيت على أنه حالة تشنُّج قومية وتؤكد استمرار المملكة المتحدة في دعم التجارة الحرة واتحادٍ أوروبي قوي؛ لكن مشكلة بريطانيا هي أن الاتحاد الأوروبي نفسه يرى بوضوح أن بريكسيت هي بمثابة ظاهرة للقومية داخل أوروبا تحتاج إلى التعامل معها بحزم.
وبهذا المعنى، بحسب الكاتب، فإن الفوز المرجح لـماكرون يمثل أخبارا جيدة وسيئة في آن واحد للمملكة المتحدة؛ ذلك أن ماكرون يمثل الاتحاد الأوروبي القوي والموحد الذي تزعم حكومة ماي أنها ترغب في رؤيته؛ أما الجانب السيء في هذا الفوز المرجح فيكمن في أن هذه القوة وتلك الوحدة للاتحاد الأوروبي كفيلة بأن تأتي بموقف حاد جدا إزاء بريكسيت- بالمطالبة بتسويات مالية ضخمة من جانب بريطانيا وبمقاومة لأية صفقات خاصة لصالح المملكة المتحدة، سواء فيما يتعلق بحرية حركة الناس أو بالخدمات المالية.
أما فوز لوبان في المقابل، بحسب راخمان، فسيأخذ أوروبا في اتجاهات جديدة وخطيرة - ولكنه قد يساعد في تيسير مشكلة بريكسيت؛ حيث لن يكون هنالك اتحادٌ أوروبي باقي للخروج منه.
ورأى الكاتب أن فوز ماكرون، في السياق الأوروبي الأوسع يجب أن يُنظر إليه في سياق الانتكاسات التي مُني بها اليمين القومي في الانتخابات الأخيرة في النمسا وهولندا ومن تراجُعٍ لشعبيته في ألمانيا حيث سجّل حزبُ البديل من أجل ألمانيا (الشعبوي) تراجعا إلى أرقام فردية في استطلاعات الرأي بحيث بدا تجديد الثقة في آنجيلا ميركل في انتخابات ألمانيا في شهر سبتمبر المقبل أمرًا مُرّجحا بقوة.
ورجح راخمان أن يلقى فوز ماكرون في بروكسل ترحيبا كفرصة لإعادة تشغيل الموتور الفرانكو-ألماني الذي طالما حرّك ماكينة الاتحاد الأوروبي.