• الحروب الالكترونية


القاهرة . بوابة أ ش أ

كتب - محمد مجدى

تشكل الحروب الالكترونية " نقطة تحول فى مسار الصراعات الدولية وأشكال الهيمنة من جانب القوى العظمى .. فهى حروب لا تستلزم امكانيات مالية وبشرية ضخمة ، ولكنها تركز على تطويع التكنولوجيا الحديثة من جانب احدى الدول لتكبيد اعدائها خسائر فادحة تصل تكلفتها عشرات المليارات من الدولارات .

وبدأت الدول المتقدمة تكنولوجيا تعتمد على العنصر الإلكتروني في حروبها مع خصومها ، ليس فقط فيما يتعلق بإدارة وحدات الجيش وأسلحته ، بل انها تستخدمها أيضا كسلاح يمكنه تعطيل أو تدمير الجيوش المعادية.

وعلى الرغم مما يعتقده البعض بأن الحرب الإلكترونية هي حرب مستترة لا يمكن مقارنتها بالحرب النظامية بين الجيوش ، إلا إنها في الواقع أصبحت أكثر فاعلية وقدرة على حسم المعارك ، فهي لا تحتاج لاستخدام الأسلحة التقليدية على نحو باهظ التكلفة يحمل قدرا كبيرا من المخاطرة المادية والبشرية ، ولا تتطلب أكثر من ضغطة زر لشل برامج عسكرية أو تعطيل أحد أسلحة جيوش الدول المعادية.

وبخلاف الحروب النظامية ، فإن الحرب الإلكترونية لا تحمل بالضرورة قدرا من العداء بين دولتين بقدر ما تحمله من تنافس بينهما ، كما أنها تتسم بالسرية عادة سواء فيما يتعلق بالهجوم أو الهجوم المضاد ، ولا يسعى أي من طرفي الحرب الإلكترونية للجهر بما حققه من مكاسب أو ما تكبده من خسائر ، وبالتالي فإنها لا تستتبع إفساد العلاقات بين البلدين بشكل صريح طالما أن العداء بينهما ليس صريحا.

صراع النسر والتنين

تناولت وسائل اعلام غربية ومن بينها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ملامح الحرب الإلكترونية بين الولايات المتحدة والصين ، ومدى تأثير حرب الفضاء الإلكتروني "الباردة" بين واشنطن وبكين على العلاقات بينهما ، فقالت إنه حينما عمدت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى توزيع قائمة مطولة على مزودي خدمة الإنترنت داخل الولايات المتحدة تتضمن عناوين بريدية لمجموعة قراصنة إلكترونيين قامت بسرقة بيانات من قاعدة الخاصة بمؤسسات أمريكية عدة ، تعمدت إغفال حقيقة أن معظم هذه العناوين تعود على الأرجح لمقر "قيادة حرب الفضاء الإلكتروني" التابعة للمؤسسة العسكرية الصينية.

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن هذا الإغفال المتعمد من قبل الإدارة الأمريكية ، إنما يبرز حجم التوترات المتصاعدة داخل إدارة أوباما حول كيفية مواجهة القيادة الصينية الجديدة بشأن قضية القرصنة الإلكترونية ، في الوقت الذي تكثف فيه الإدارة من دعواتها المطالبة للصين بضرورة وقف هجماتها الإلكترونية فيما تصر بكين على نفي قيامها بهذا الأمر.

وكما توضح هذه القضية ، فإن شكل الحرب الباردة بين كبرى الاقتصادات العالمية اختلفت كثيرا عن أنماط الحرب والصراعات بين القوى العظمى خلال العقود الماضية ، كما أوضحت أن الحروب الإلكترونية رغم أنها أخذت الحرب الباردة لمنحنى أقل خطورة عن ذي قبل ، غير إنها باتت أكثر تعقيدا وأشد ضررا.

وأفادت نيويورك تايمز بأنه رغم أن مسئولي الإدارة الأمريكية أبدوا رغبتهم ، الأن أكثر من أي وقت مضى ، في الإشارة جهرا إلى الصين تحديدا ، بشأن الهجمات الإلكترونية ، إلا أن أوباما تجنب ذكر الصين بالإسم ، أو حتى روسيا أو إيران اللتين تمثلان مصدر قلق بالغ له في هذا الشأن ، ورأت الصحيفة أن الصين ليست عدوا صريحا للولايات المتحدة كما كان حال الإتحاد السوفيتي في السابق ، بل إن بكين تعد منافسا اقتصاديا وموردا وعميل أساسي لوشنطن ، مشيرة إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 425 مليار دولار أمريكي العام الماضي ، كما تظل الصين ، برغم كافة التوترات الدبلوماسية معها ، ممولا محوريا للديون الأمريكية.

وأضافت الصحيفة أنه على الرغم من سعادة مسئولي الإدارة الأمريكية بتقرير شركة "مانديانت" الأمريكية الأمنية الخاصة حول نتائج تعقب الهجمات الإلكترونية ، والذي خلص إلى إنها تأتي من "قيادة حرب الفضاء الإلكتروني" التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني ، فقد صرح بعضهم بأن الإدارة ليس لديها مشكلة فيما خلص إليه تقرير الشركة ، لكنها لا ترغب في التصريح بنتائجه علنا.

الفيروسات النووية

وعلى عكس محاولات احتواء الموقف بين واشنطن وبكين بشأن الحرب الإلكترونية بينهما ، تأتي الإتهامات المتبادلة بين إيران وإسرائيل بمحاولة كل واحدة منهما شن حرب إلكترونية على الأخرى ، وربما يكون الموقف الأبرز في هذا الصدد هو تلويح إيران بأصابع الإتهام لإسرائيل فيما يتعلق بتعرض برنامج مفاعلها النووي "بوشهر" بفيروس "ستاكس" في سبتمبر 2010 قبل شهر من افتتاحه ، على نحو كشف عن نشاط استخباري إسرائيلي عبر الإنترنت آنذاك.

وقد كشف هذا الموقف المسار الجديد الذي انتهجته الولايات المتحدة وإسرائيل في محاولاتهما التصدي للطموحات النووية الإيرانية ، فبعد فرض عقوبات قاسية على طهران والتلويح بشن هجمات عسكرية ضد منشآتها النووية ، لجأت الولايات المتحدة وإسرائيل لتخريب البرنامج النووي الإيراني ، بحسب القادة الإيرانيين ، عن طريق الحرب الإلكترونية.

وجاءت هجمات فيروس ستاكس ضد منشأة بوشهر النووية في هذا الاطار باعتبارها الحدث الأكثر تقدما في إطار استخدام الفيروسات كأسلحة إلكترونية قبل أكثر من عامين وجاءت تلك الهجمات أقرب لاعتبارها عملا إرهابيا كونها هدفت لبث الرعب والخوف; خاصة في ظل عدم توافر معرفة واضحة بمصدر الهجوم ولا بكيفية حدوث الاختراق الذي أتي بصورة فجائية ; ولم يميز بين ما هو مدني أو عسكري فضلا عن أن هذه الهجمات لم يتطلب تنفيذها سوي وقت زمني قصير وهي أقل تكلفة من أي سلاح تقليدي آخر الأمر الذي دفع البعض لوصف "ستاكس" بالدودة التي سعت لابتلاع البرنامج النووي الإيراني.