• البابا شنودة


كتب .. محمد مصطفى عبد الرءوف

تمر اليوم الذكرى الخامسة لوفاة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية الراحل، الذ وافته المنية في 17 مارس 2012.
وزار البابا تواضروس بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية مساء أول من أمس قبر ومزار البابا شنودة وقام بتطيبه، كما ينظم المركز الثقافي الأرثوذكسي احتفالية لإحياء ذكرى البابا الراحل مساء اليوم الجمعة.
ويعد البابا شنودة الثالث البابا رقم 117 في تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، واعتلى الكرسي البابوي في عام 1971 وظل في منصبه حتى وفاته .
ولد البابا شنودة الثالث في 3 أغسطس 1923 في أسيوط، باسم نظير جيد وتوفيت والدته لحمى النفاس عقب ولادته مباشرة، وتولى والده وأشقائه رعايته، وكان في طفولته وصباه شغوفا بالقراءة كما بدأ يكتب الشعر في سن السادسة عشرة.
وتخرج البابا شنودة في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1947 ، كما تخرج من الكلية الإكليركية ودرس في كلية اللاهوت القبطي، وعمل مدرسا للتاريخ ومحررا ورئيسا للتحرير في مجلة "مدارس الأحد"، كما انضم للجيش المصري حيث عمل ضابط احتياط برتبة ملازم وشارك في حرب 1948.
وفي يوليو 1954 قرر الشاب نظير جيد الذهاب للدير، حيث ترهبن باسم الراهب أنطونيوس السرياني، ورسم قسا في 1958، ليذهب بعدها إلى قلاية في الدير حيث اقام بها عدة سنوات.
وفي بداية عهد البابا كيرلس السادس اختاره سكرتيرا له ورسمه أسقفا عاما للتعليم والمعاهد الدينية باسم الأنبا شنودة في 1962، ليقود حركة نهضة في أنشطة التعليم ومدارس الآحد بالكنيسة، كما رأس تحرير مجلة الكرازة التي أصدرته الكلية الإكليريكية عام 1965 منذ عددها الأول، حيث كان يشغل منصب أسقف المعاهد الدينية.
وعقب وفاة البابا كيرلس السادس عام 1971 طرح اسم الأنبا شنودة كأحد المرشحين لخلافته، واختير في القرعة الهيكلية يوم 31 أكتوبر 1971، ليكون البابا 117 على كرسي مارمرقس الرسول.
والبابا شنودة هو رابع أسقف أو مطران يصبح البابا، بعد البابا يوحنا التاسع عشر (1928 - 1942) ومكاريوس الثالث (1942 - 1944) ويوساب الثاني (1946 - 1956)، كما أنه يعد أول أسقف للتعليم المسيحي قبل أن يصبح البابا.
وفي عهده تمت سيامة أكثر من 100 أسقف وأسقف عام؛ بما في ذلك أول أسقف للشباب، وأكثر من 400 كاهن وعدد غير محدود من الشمامسة في القاهرة والإسكندرية وكنائس المهجر، وأولى اهتماما خاصا لخدمة المرأة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

وطوال فترة توليه منصبه، كان للبابا شنودة مواقف وطنية مشهودة، في الكثير من المواقف، وكان له كلمة مأثورة "مصر وطن يعيش فينا وليست وطنا نعيش فيه"، وكان للبابا شنودة موقفا بارزا خلال حربي الاستنزاف وأكتوبر 1973، إذ زار الجبهة أكثر من مرة وخلال الحرب شجع الأقباط على التبرع لدعم المجهود الحربي.
وظلت علاقة البابا شنودة بالدولة في مصر جيدة طوال فترة 41 عاما قضاها في منصبه، باستثناء فترة قصيرة في أواخر حكم الرئيس الراحل أنور السادات، الذي حدد إقامة البابا شنودة في دير وادي النطرون خلال اعتقالات سبتمبر 1981، وقرر عزله وتشكيل لجنة من الأساقفة لإدارة شؤون الكنيسة برئاسة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة، واستمرت الأزمة حتى حادث المنصة الذي اغتيل فيه السادات والأنبا صموئيل أيضا، وكان قداس جنازة الأنبا صموئيل هو أول خروج للبابا شنودة من الدير، ليرأس القداس، وعاد بعدها إلى الدير ولم يفارقه بإراداته حتى عام 1985..
ويحسب للبابا شنودة أنه لم يستغل موقعه الديني في إثارة الأقباط ودعوتهم للتظاهر احتجاجا على تحديد إقامته، بل فضل الاعتكاف في الدير.
كما ظهرت حكمة البابا شنودة أكثر من مرة خلال الأزمات الطائفية التي كانت تقع بين وقت وآخر، حيث كان حريصا على الوحدة الوطنية وسلامة الوطن، مؤكدا أن العلاقات الطيبة بين المسلمين والمسيحيين لن تشوبها تلك الأحداث البغيضة، وكان يعتبر البابا الراحل صمام أمان مهم في مصر، حتى عرف بأنه "بابا كل المصريين"، والبابا شنودة الثالث هو أول بابا يقيم حفلات إفطار رمضانية لكبار المسؤولين بالدولة منذ عام 1986 بالمقر البابوي وتبعته في ذلك معظم الأبرشيات. وهو أول بطريرك يحضر حفلات إفطار رمضانية تقيمها وزارة الأوقاف ويشارك بنفسه في جميع المؤتمرات والأحداث الهامة بالدولة.
وخلال ثورة 25 يناير 2011، أصدرت الكنيسة الأرثوذكسية بيانا لمباركة الثورة كتبه البابا شنودة بخط يده، ومازال معروضا في المتحف القبطي الأرثوذكسي حتى اليوم.
بدأ البابا شنودة تقليدا جديدا في عهده تمثل في العظة الأسبوعية يوم الأربعاء، والتي كان يحرص عليها وقت أن كان أسقفا للخدمات، وظل يحافظ عليها وقت توليه البطريركية، وهي التقليد الذي حافظ عليه خلفه البابا تواضروس الثاني حتى اليوم.
وحظيت عظات البابا شنودة بحضور حاشد من الأقباط الذين كانوا يحبون أسلوبه السهل، خاصة أنه كان يتميز بحس فكاهي مميز.
وقام البابا شنودة بزيارات عديدة خارج مصر، التقى خلالها بأبنائه من أقباط المهجر، وكان حريصا على نقل الصورة كاملو وواضحة لهم عن الأوضاع في مصر حتى لا يستسلموا للشائعات التي كانت تروج عن أوضاع الأقباط في مصر.
ومن أكثر المواقف التي قربت منه المسلمين والمعتدلين الأقباط على حد سواء رفضه للدعوة التي أطلقها بعض الأقباط في 16 فبراير عام 1989 ودعوا فيها لإنشاء حزب يسمى "حزب السلام الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية" حيث يرفض دائما قيام الأحزاب على أساس ديني.
القضية الفلسطينية كان تشغل حيزا كبيرا في مواقف البابا شنودة إذ حافظ على قرار البابا كيرلس السادس بمنع الأقباط من زيارة القدس طالما بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي، وكان دائما يؤكد أنه سيدخل القدس يده بيد شيخ الأزهر، كما جمعت البابا شنودة والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات علاقة قوية وكثيرا ما زاره عرفات في الكاتدرائية، كما عقد البابا مؤتمر شعبيا كبيرا فى الكاتدرائية المرقسية عام 2002 بعد تحديد إقامة عرفات دفاعا ودعما منه للقضة الفلسطينية والقضايا العربية، وموقفه الحاسم ذلك يحسب له.
وتعرض البابا شنودة في السنوات الأخيرة من حياته لعدة وعكات صحية، حيث كان يعاني من مشاكل في الكلى وآلام الظهر، كما سقط في قلايته وأصيب بكسر في عظمة الفخذ، الأمر الذي استدعى سفره للعلاج في الخارج، وظل يخضع للعلاج حتى توفى البابا شنودة يوم 17 مارس 2012 عن يناهز 89 عاما، وحظى بجنازة رسمية وشعبية مهيبة انطلقت من الكاتدرائية المرقسية بالعباسية إلى مثواه الأخير بدير وادي النطرون.