• جنيف 5


ما بين مفاوضات جنيف وفيينا، مرت بالأزمة السورية قرارات وإجراءات كثيرة، ساعد القليل منها في استمرار عجلة المفاوضات السياسية، وتعطل الكثير منها بسبب تباين الأطراف المباشرة وغير المباشرة في الأزمة السورية. وتعد مفاوضات "جنيف4" نقلة نوعية مهمة لحلحلة الأزمة المعقدة والمتشابكة.
كثرت التحليلات والدراسات السياسية من قبل المتخصصين فى هذا السياق والتى تناولت بالتحليل السيناريوهات المحتملة لمسارات الأزمة في سوريا خاصة بعد "جنيف4"، ولعل من أبرز تلك الدراسات الدراسة أعدها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بدولة الإمارات العربية المتحدة ٠
وأشارت دراسة مركز المستقبل إلى أن الجولة الجديدة من مفاوضات "جنيف4" والتي جاءت على خلفية نتائج مفاوضات "أستانة 2" عظمت من فرص وتغليب الحل السياسي على العسكري، بسبب استمرار وقف إطلاق النار المعلن عنه منذ 30 ديسمبر 2016، كأحد أهم محاور مؤتمر "أستانة 2"، والذي لا يزال مستمراً مقارنةً باتفاقات وقف إطلاق نار أخرى لم تصمد إلا أياماً معدودة.
أوضحت الدراسة أنه إذا كان ثمة اتفاقاً بين "أستانة 2" و"جنيف 4" في المرتكزات الأساسية للمفاوضات والتي تتمثل في: نبذ الحل العسكري وإعلاء الحل السلمي، ومنح الأولوية لوقف إطلاق النار ومكافحة التنظيمات الإرهابية، فإن ثمة اختلافاً في الإجراءات ومنها: اقتصار مفاوضات الأستانة على الفصائل المسلحة في سوريا، بينما تضمنت مفاوضات جنيف كلا التمثيلين - السياسي والعسكري- للمعارضة.
وبينما شهدت الأستانة درجةً أعلى من التوافق بين الفصائل المسلحة، وهو ما بدا واضحاً في تشكيل وفد موحد للمعارضة حضر المفاوضات، شهدت مفاوضات جنيف درجة أكبر من التعقيد في ظل اتساع نطاق مشاركة المعارضة الذي ترتب عليه انقسامات بين صفوفها ظهرت في حضور ثلاثة وفود منفصلة.
بوادر باعثة على الأمل
ووفقاً لدراسة مركز المستقبل، فإنه رغم عدم وضوح الموقف الأمريكي من مختلف أطراف الصراع داخل سوريا، في إطار توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، إلا أن ثمة مؤشرات تبعث على الأمل في انفراجه قريبة للأزمة، جاء في مقدمة هذه المؤشرات، تولي جوتيريس منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما يُمكن أن يسهم في حدوث تغييرات في معطيات التعامل مع المفاوضات، خاصة في ظل الاهتمام الكبير للأمين العام الجديد بقضايا اللاجئين من خلال عمله كمفوض للأمم المتحدة لشئون اللاجئين خلال الفترة من عام 2005 وحتى عام 2015.
ثاني المؤشرات التي رصدتها الدراسة، ظهور بوادر للخلاف الروسي- الإيراني، ففي الوقت الذي تتجه فيه روسيا إلى دعم الحل السياسي استناداً إلى عدم إمكانية تحقيق انتصار عسكري حاسم داخل سوريا، فإن إيران لا تزال ترى أن الحل السياسي قد يمثل تهديداً لمصالحها الإقليمية.
وأخيراً تؤكد الدراسة أن استمرار العمل بنتائج مؤتمر الأستانة، دفع اتجاهات عديدة إلى اعتباره بمثابة مرحلة تمهيدية لمفاوضات جنيف عقب الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الفصائل المسلحة والنظام. وبالتالي فإنه يمكن البناء على ما تحقق من مكتسبات في "الأستانة 2"، وترتيب الحل السياسي ووقف التجاوزات العسكرية وحقن الدماء السورية.

صدق السيناريوهات المتوقعة
خلُصت الدراسة، التي أعدها مركز المستقبل، إلى طرح عدة سيناريوهات لمفاوضات "جنيف 4": الأول: فشل المفاوضات، استناداً إلى عدد من المؤشرات أبرزها: إصرار بعض قوى المعارضة على التمسك برؤيتها القائمة على ضرورة مناقشة مسألة الانتقال السياسي، في الوقت الذي تمنح فيه أطراف أخرى الأولوية لمحاربة التنظيمات الإرهابية، إلى جانب عدم نجاح المعارضة في تشكيل وفد مشترك في المفاوضات، وهو ما جعل معظم الجهود تتركز حول محاولة التوفيق بين رؤى الوفود الثلاثة المختلفة للمعارضة بدلا من العمل على الوصول إلى محاور توافق بين النظام والمعارضة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو، في إمكانية العودة إلى ما قبل "الأستانة 2"، خاصة فيما يتعلق بتراجع فرص الحل السياسي والاستناد إلى الخيار العسكري من جديد.
أما السيناريو الثاني: وهو "سيناريو الحل التوافقي الوسطي" ويتمثل في إبرام صفقة جزئية بين النظام وقوى المعارضة الأكثر مرونة في التعامل مع قضية "انتقال السلطة".
لكن تبقى احتمالات تحقق هذا السيناريو ضعيفة، نتيجة لما يشترط في إطار المفاوضات من ضرورة الاتفاق بالإجماع على ما يتم طرحه من تسويات خلالها، بالإضافة إلى تداعياته المتوقعة التي تتعلق باتجاه قوى المعارضة الأخرى إلى تصعيد عملياتها العسكرية ضد النظام، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الصراع مرة أخرى.
في حين يتمثل ثالث السيناريوهات في اعتبار "جنيف 4" اللبنة الأساسية التي يمكن البناء عليها لاحقاً وهو "سيناريو تأجيل الحسم لجولة مفاوضات تالية"، وهو ما يعني – ضمنا - محاولة إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، مع الحفاظ على استمرار وقف إطلاق النار، وهو سيناريو أقرب إلى التحقق، ويعني الخروج بتوصيات لا قرارات حاسمة ولا تتضمن حسماً في أى اتجاه.
وقد استند هذا السيناريو إلى ما شهدته مفاوضات "جنيف4" من انقسامات وتضارب في الرؤى حول العديد من الملفات، بالإضافة إلى عدم الاتفاق على جدول أعمال موحد، بشكل قد يزيد من احتمالات عدم استمرار عملية وقف إطلاق النار وقتا طويلا، مع إمكانية حدوث تصعيد عسكري بهدف امتلاك أوراق ضغط جديدة يتم الاستناد إليها في الجولة التالية للمفاوضات.

"جنيف5 والأمل في الحل السياسي:
وكما توقعت الدراسة سالفة الذكر، فإن مباحثات "جنيف 4" حول الأزمة السورية والتي استغرقت ثمانية أيام امتدت من 23 فبراير وحتى الثالث من مارس الجاري، أسفرت عن اعتبار هذه المرحلة من المفاوضات لبنة أخرى يمكن البناء والاستمرار عليها للتوصل لحل سياسي يُنهي الأزمة المعقدة في سوريا، وقد وصفها المبعوث الأممي "دي ميستورا"، بقوله : "إن اجتماعات مفاوضات جنيف4 كانت صعبة لكنها بناءة" وتم في ختامها الاتفاق على 4 خطوات إجرائية، علاوة على احتمالات جولة مرتقبة خلال مارس الحالي أيضاً.
تتمثل الخطوات الأربعة في: تشكيل حكومة غير طائفية خلال 6 أشهر، ثم صياغة الدستور، وإجراء انتخابات خلال 18 شهراً بإشراف أممي، وأخيراً مكافحة الإرهاب والحوكمة الأمنية، والعمل على إجراءات بناء الثقة بين الطرفين.
إجمالاً يمكن القول أن الجولة المرتقبة من المفاوضات "جنيف5" ستكون كذلك لبنة أخرى تمهد الأجواء لجولات جديدة من المفاوضات سواء تمت في جنيف أو في فيينا، بسبب استمرار التباين في الحسابات والمصالح السياسية والاستراتيجية لكل أطراف الأزمة سواء الأطراف المباشرة (المعارضة ونظام الحكم) أو الأطراف غير المباشرة وهي قوى المصالح الإقليمية والدولية إيران وتركيا من جانب والولايات المتحدة وروسيا من جانب آخر.
وحتى تعقد جولة جديدة من المفاوضات، ستظل الأوضاع في سوريا على ما هي عليه في ظل محاولة كل طرف من الأطراف إلى توظيف التطورات السياسية على الأرض لتحقيق مكاسب إضافية له قبل الجولة المرتقبة.