• مفاوضات جينيف 4


تحليل كتبه/ أحمد تركي (مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط )
تأتي مفاوضات "جنيف 4" التي انطلقت في الثالث والعشرين من فبراير المنصرم، لتبعث على الأمل في إمكانية اقتراب الحل السياسي للأزمة السورية، لأنه للمرة الأولى خلال ثلاث سنوات يجتمع وفدا الحكومة والمعارضة في سوريا في مفاوضات مباشرة "وجها لوجه".
كما تأتي هذه الجولة الجديدة من المفاوضات على خلفية نتائج مفاوضات "أستانة 2" التي تنحو إلى تغليب الحل السياسي على العسكري، ولعل أبرز ذلك استمرار وقف إطلاق النار المعلن عنه منذ 30 ديسمبر 2016، كأحد أهم محاور مؤتمر "أستانة 2"، والذي لا يزال مستمرًا مقارنة باتفاقات وقف إطلاق نار أخرى لم تصمد إلا أيامًا معدودة، وذلك رغم هشاشته بسبب ما يتخلله من اختراقات.
وإذا كان ثمة اتفاقًا بين "أستانة 2" و"جنيف 4" في المرتكزات الأساسية للمفاوضات والتي تتمثل في: نبذ الحل العسكري وإعلاء الحل السلمي، ومنح الأولوية لوقف إطلاق النار ومكافحة التنظيمات الإرهابية، فإن ثمة اختلافًا في الإجراءات ومنها: اقتصار مفاوضات الأستانة على الفصائل المسلحة في سوريا، بينما تضمنت مفاوضات جنيف كلا التمثيلين- السياسي والعسكري- للمعارضة.
وبينما شهدت الأستانة درجةً أعلى من التوافق بين الفصائل المسلحة، وهو ما بدا واضحًا في تشكيل وفد موحد للمعارضة شارك في المفاوضات، شهدت "جنيف 4" درجة أكبر من التعقيد في ظل اتساع نطاق مشاركة المعارضة الذي ترتب عليه انقسامات بين صفوفها ظهرت في حضور ثلاثة وفود منفصلة.

مؤشرات الأمل:
رغم عدم وضوح الموقف الأمريكي من مختلف أطراف الصراع داخل سوريا، في إطار توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، إلا أنه ثمّة مؤشرات تبعث على الأمل في حدوث انفراجة قريبة للأزمة؛ يأتي في مقدمتها تولي جوتيريش منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما يُمكن أن يسهم في حدوث تغييرات في معطيات التعامل مع المفاوضات، خاصة في ظل الاهتمام الكبير للأمين العام الجديد بقضايا اللاجئين من خلال عمله مفوضا للأمم المتحدة لشئون اللاجئين خلال الفترة من عام 2005 وحتى عام 2015.
أما ثاني المؤشرات، فهو ظهور بوادر للخلاف الروسي- الإيراني، ففي الوقت الذي تتجه فيه روسيا إلى دعم الحل السياسي استناداً إلى عدم إمكانية تحقيق انتصار عسكري حاسم داخل سوريا، فإن إيران لا تزال ترى أن الحل السياسي قد يمثل تهديداً لمصالحها الإقليمية.
وأخيراً، استمرار العمل بنتائج مؤتمر الأستانة، خاصة أنه وضع خطوطاً عريضةً للمفاوضات التالية في جنيف، وهو ما دفع اتجاهات عديدة إلى اعتباره بمثابة مرحلة تمهيدية لمفاوضات جنيف عقب الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الفصائل المسلحة والنظام. وبالتالي فإنه يمكن البناء على ما تحقق من مكتسبات في "الأستانة 2"، وترتيب الحل السياسي ووقف التجاوزات العسكرية وحقن الدماء الشعب السوري.

ثلاث سيناريوهات متوقعة:
ويرى مراقبون أن ثمّة ثلاثة سيناريوهات متوقعة لمفاوضات "جنيف 4": الأول: فشل المفاوضات، ويستندون في ذلك إلى عدد من المؤشرات؛ أبرزها إصرار بعض قوى المعارضة على التمسك برؤيتها القائمة على ضرورة مناقشة مسألة الانتقال السياسي، في الوقت الذي تمنح فيه أطراف أخرى الأولوية لمحاربة التنظيمات الإرهابية، إلى جانب عدم نجاح المعارضة في تشكيل وفد مشترك في المفاوضات، وهو ما جعل معظم الجهود تتركز حول محاولة التوفيق بين رؤى الوفود الثلاثة المختلفة للمعارضة بدلا من العمل على الوصول إلى محاور توافق بين النظام والمعارضة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو، وهو فشل المفاوضات، في العودة للمربع صفر، بما يعني إمكانية العودة إلى ما قبل "الأستانة 2"، خاصة فيما يتعلق بتراجع فرص الحل السياسي والاستناد إلى الخيار العسكري من جديد.
أما السيناريو الثاني: ويطلق عليه المحللون "سيناريو الحل التوافقي الوسطي" ويتمثل في إبرام صفقة جزئية بين النظام وقوى المعارضة الأكثر مرونة في التعامل مع قضية "انتقال السلطة".
لكن يُرجِح المحللون أن احتمالات تحقق هذا السيناريو تبقى ضعيفة، نتيجة لما يُشتَرط في إطار المفاوضات من ضرورة الاتفاق بالإجماع على ما يتم طرحه من تسويات خلالها، بالإضافة إلى تداعياته المتوقعة التي تتعلق باتجاه قوى المعارضة الأخرى إلى تصعيد عملياتها العسكرية ضد النظام، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الصراع مرة أخرى.
في حين يتمثل ثالث السيناريوهات في: اعتبار "جنيف 4" اللبنة الأساسية التي يمكن البناء عليها لاحقاً، وأسماه المحللون "سيناريو تأجيل الحسم لجولة مفاوضات تالية"، وهو ما يعني- ضمنا- محاولة إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، مع الحفاظ على استمرار وقف إطلاق النار، وهو سيناريو أقرب إلى التحقق، ويعني الخروج بتوصيات لا قرارات حاسمة ولا تتضمن حسماً في أي اتجاه.
ويستند هذا السيناريو إلى ما تشهده المفاوضات الجارية من انقسامات وتضارب في الرؤى حول العديد من الملفات، بالإضافة إلى عدم الاتفاق على جدول أعمال موحد، بشكل قد يزيد من احتمالات عدم استمرار عملية وقف إطلاق النار وقتا طويلا، مع إمكانية حدوث تصعيد عسكري بهدف امتلاك أوراق ضغط جديدة يتم الاستناد إليها في الجولة التالية للمفاوضات.
إجمالي القول إن تحقق أي من هذه السيناريوهات الثلاثة المتوقعة تصب في اتجاه واحد: بقاء الأوضاع على ما هي عليه لفترة محدودة، وإتاحة الفرصة لما بعد "جنيف 4"، وهو ما سيفتح المجال لمفاوضات مرحلة جديدة بموازين وترتيبات جديدة.