• الاقتصاد الليبي


عاش الاقتصاد الليبي ست سنوات عجاف دار خلالها في متاهة التعقيد السياسي والخلافات التي أعقبت ثورة فبراير، وهو ما أثّر بشكل مباشر على الإنتاج النفطي المصدر الرئيسي للدخل بالبلاد، دخلت على إثرها ليبيا أزمة اقتصادية تاريخية تراجعت خلالها عائدات النفط بشكل متسارع.
وذكرت بوابة ا"لوسط" الليبية في تقرير لها، أن العائدات النفطية تراجعت بنسبة 21% إلى 36 مليار دولار خلال العام 2013 مقارنة بالعام السابق، وفي العام التالي 2014 تراجعت إلى 15.4 مليار دولار، لتهبط خلال عام واحد بنسبة 57%، ثم إلى 7.6 مليار دولار في العام 2015، لتواصل انخفاضها إلى 5 مليارات دولار في العام الماضي.
الأمر الذي انعكست مؤشراته على حدوث قفزة قياسية في معدلات التضخم خلال السنوات الست الماضية من 9.5% العام 2011 إلى 24% العام 2016، مما ساهم في تفاقم الأزمات المعيشية في أغلب المناطق، على خلفية الاضطرابات الأمنية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة ونقص الإمدادات الغذائية، وتأخر صرف رواتب العاملين.
وتفاقمت الأزمة الاقتصادية بسبب تراجع إنتاج النفط الذي شكل قبل الثورة نحو 944% من عائدات ليبيا من النقد الأجنبي و60% من العائدات الحكومية، إذ كانت تنتج ليبيا 1.65 مليون برميل يوميًا من معدل احتياطي قدره 41.5 مليار برميل.
وبعدما تخلصت ليبيا من قبضة القذافي سقطت في خلافات سياسية وفوضى أمنية، لكنّها استعادت أنفاسها مرة أخرى بحلول الربع الثالث من سنة 2012 حين عادت صادرات النفط إلى مستويات مرتفعة انعكست بشكل مباشر على رفع الأجور والرواتب ودعم القطاع العام، لكنّ هذا التفاؤل الوجيز سرعان ما عاد إلى مربع الصراع على النفط، بسيطرة مليشيات على حقول وموانئ التصدير.
وكانت ليبيا على موعد في يوليو 2013 مع إغلاق بعض المنشآت النفطية والغازية، انخفضت معها الصادرات إلى أقل من 200 ألف برميل نفط يوميًا، أعقبها خروج العديد من الشركات الأجنبية من البلاد وفي العام 2014 توقفت رئة القطاع النفطي بشكل كلي.
تلاقت الخلافات السياسية مع التنازع الإداري على مؤسسات الدولة الاقتصادية لتخلق حالة شلل في الخدمات دخل معه الاقتصاد حالة ركود أثر بدوره على دخول الأفراد، كشفت عنه الإحصائيات الرسمية التي قالت إن العجز المالي بلغ آنذاك حوالي 22.8 مليار دينار أي بنسبة 44% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما جعل العام 2014 أسوأ السنوات الست التي أعقبت الثورة.
وباتت المؤسسات الليبية أمام اختبار الحفاظ على احتياطات العملة الأجنبية، لاسيما في ظل توقف إنتاج النفط، فأجرى مصرف ليبيا المركزي جملة من السياسيات من بينها خفض أجور القطاع العام وميزانية الدعم وتجميد معظم نفقات التنمية والبنية التحتية.
لكنّ العام 2015 كان هيّنًا في بعض الأوقات شديد القسوة على الاقتصاد في بعضها الآخر، فيما استمر إنتاج النفط عند مستوى 400 برميل يوميًا، وهو ما يعادل ربع الإنتاج العام 2011، قبل أن تتعرض خطوط الإنتاج إلى هجمات قبل إغلاقها.
وبينما انخفضت إيرادات الميزانية العامة للدولة وارتفع الإنفاق العام عام 2015، فقد بلغت ميزانية أجور موظفي القطاع العام من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي مستوى قياسيًا بنحو 59.7%، كما ارتفع عجز الميزانية من 43% من إجمالي الناتج المحلي في 2014 إلى 75% من الإجمالي في 2015، بدأ المصرف المركزي يمول العجز الكبير الذي بلغ وقتها 75.6% من إجمالي الناتج المحلي من خلال احتياطات النقد الأجنبي، وهو ما جعلها تنخفض من 107.6 مليارات دولار في 2013 إلى حوالي 56.8 مليار دولار بنهاية 2015.

وكانت ليبيا باقتصادها وسياستها على موعد في الربع الثالث من العام 2016 مع انفراجة جديدة عندما استطاع الجيش الليبي استعادة منطقة الهلال النفطي يوم 11 سبتمبر، مما رفع إنتاج النفط تدريجيًا حتى وصل إلى 700 ألف برميل يوميًا بات يتذبذب حولها الإنتاج منذ استئناف تشغيل حقل الشرارة الرئيسي في غرب البلاد، لكنّ الركود في إنتاج القطاعات غير النفطية دفع معدل النمو في الدخل القومي إلى التراجع مقترنًا بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من ذلك الناتج إلى حوالي 4458 دولارًا قفز معها معدل التضخم إلى 24% بنهاية 2016.
وأدى هبوط إيرادات النفط إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 311%، وانخفاض الإنفاق على الدعم، وهبوط الأجور بنسبة 8.7%، وتراجع الإنفاق الرأسمالي إلى 14% مقارنة بعام الثورة 2011، فضلاً عن زيادة متسارعة للدين المحلي الذي بلغ ذروته مسجلاً 110% من الناتج المحلي الإجمالي في 2016.
جرّاء ما سبق استمرت المؤشرات السلبية في مجمل القطاعات الاقتصادية في ليبيا، عندما وصل عجز الموازنة إلى حوالي 60% من إجمالي الناتج المحلي.
وفيما لم تستطع الأطراف المختلفة الوصول إلى حلول واقعية للأزمة السياسية والأمنية، التي بدروها ستنعكس على الاقتصاد الكلي للبلد، فإن البطالة وصلت معدلات قياسية عندما سجلت 30% عام 2016، مقارنة بـ15% العام 2010، في بلد معظم سكانه من الشباب.
وخلال الأعوام الخمسة التي أعقبت الثورة تراجع عدد الآبار المنتجة للنفط في ليبيا بنسبة 73%، إذ أدت الأزمة الليبية إلى انخفاض عددها من 2060 بئرًا العام 2010 إلى 540 بئرًا العام 2015، وانعكست الأزمة أيضًا على الآبار المكتملة الحفر التي انخفضت خلال الفترة نفسها بنسبة 82% من 200 بئر إلى 35 بئرًا، والحفارات العاملة في البر والبحر التي هبطت بنسبة 48% من 60 حفارًا إلى 31 حفارًا خلال الفترة نفسها.
وقال مصطفى صنع الله رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، إن الإنتاج اليومي لليبيا تراجع بنسبة 72% إلى 404 ألف برميل يوميًا العام 2015 مقارنة بـ1.495 مليون برميل العام 2010، ووصل إنتاج البلاد من الغاز 15.493 مليار متر مكعب للتسويق و4.441 مليارات متر مكعب للحرق العام 2015، مقابل 16.814 مليار متر مكعب للتسويق و3.483 مليارات متر مكعب للحرق العام 2010.
وعقب توليه قيادة المجلس الرئاسي، اجتمع فايز السراج، بمحافظ المصرف المركزي في البيضاء علي الحبري، ومحافظ المصرف بطرابلس الصديق الكبير، لكنّ الخطوة لم تسفر عن توحيد إدارة المصرف حتى الآن، بسبب الانقسام السياسي الذي لا يزال يطال العديد من المؤسسات السياسية والاقتصادية في البلاد.
ورغم اختلاف الاثنين (الكبير والحبري) حول طريقة إدارة المصرف، فإنّهما يتفقان على أن الوضع المالي في البلاد «محرج جدًا»، وهو ما يستدعي ضرورة إنهاء الانقسام في إدارة المصرف لوضع آليات معالجة أزمة السيولة المنتشرة بأرجاء البلاد.
وعقب استعادة الجيش على منطقة الهلال النفطي عاد الحديث من جديد أمام جهود توحيد مؤسستي النفط في البلاد؛ حيث عبّرت الأطراف الليبية وقتها عن تفاؤلها لحلحة التطورات الأخيرة الوضع المتأزم في البلاد، وسرعان ما أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط ببنغازي، ناجي المغربي، عن اجتماع مرتقب برئيس المؤسسة بطرابلس مصطفى صنع الله لاستكمال خطوات توحيد المؤسستين التي بدأت في مايو الماضي بالعاصمة النمساوية فيينا.
وفي 3 يوليو 2016، وقع اتفاق بين مسؤولي المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، خلال اجتماع عُقد في أنقرة، على هيكل جديد للمؤسسة يهدف لتنحية الخلافات بشأن مَن له حق تصدير النفط، بعدما وقع رئيسا المؤسسة في البيضاء وطرابلس، ناجي حسين المغربي ومصطفى عبدالله صنع الله، مذكرة مبادئ في 21 مايو الماضي تهدف إلى توحيد قطاع النفط والغاز في ليبيا.
من جهته كشف مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، عن مخطط لرفع إنتاج من النفط إلى 2.1 مليون برميل يوميًا، من خلال استهداف استثمارات بقيمة 19 مليار دولار، على مدار السنوات الخمس المقبلة؛ متوقعًا ارتفاع الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية العام الحالي، حال استمر الوضع الأمني مستقرًا، وتقديم تمويلات من البنك المركزي والخزانة العامة.
وكشفت الأرقام، التي أعلنها مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في وقت سابق، عن حجم الأضرار والتدهور الذي لحق بالعائدات النفطية الليبية خلال السنوات الأربع الماضية، ووفقاً لتصريح صنع الله فإن «العائدات النفطية بلغت 3.87 مليارات دولار حتى نوفمبر من العام الماضي».
كما تراجعت عائدات ليبيا النفطية خلال السنوات الأربع الماضية (2012- 2016)، على وقع الخلافات السياسية والأزمات الأمنية التي شهدتها البلاد بالتزامن مع غلق للعديد من الحقول النفطية، وتراجع الآبار المنتجة للنفط بنسبة 73% خلال السنوات الخمس الماضية.
إزاء الوضع المتزايد في الركود فإن المؤسسات المالية والاقتصادية الليبية تحاول الاتفاق على سياسات اقتصادية بهدف الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تواجه البلاد، وهو ما دفع ديوان المحاسبة لتقديم جملة من المقترحات وفقًا للقانون الذي يسمح له بتقديم المشورة بدت في ظاهرها قرارات مرتقبة، وأثّرت على المعاملات المالية وسعر صرف الدولار أمام الدينار، كما خلقت مناخًا من الجدل الدائر، دفعت المصرف المركزي للرد عليها باعتبارها مقترحات «غير مقبولة»، ودعا إلى إجراء مناقشات في غرف مغلقة.
المراقبون اعتبروا الساحة التي تشهد انقسامًا في وجهات النظر بين ديوان المحاسبة والمصرف المركزي، حول السياسيات النقدية والاقتصادية، تدخل في إطار صراع فرض وجه النظر عبر تسويق المقترحات على أنها قرارات سيتم تطبيقها في القريب، إذ تحولت المقترحات التي يمكن أن تناقش في الغرف المغلقة إلى مراسلات علنية عبر وسائل الإعلام، زادت من التباين في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.