• حروب تجارية
  • حروب الفضاء


القاهرة - أحمد تركي (مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط)

يشهد النظام الدولي في الفترة الأخيرة تنافساً محموماً بين أمريكا والصين وروسيا، من أجل الاستحواذ والنفوذ على قوة المصالح، وتتنوع أساليب التنافس والنفوذ بين الحروب التجارية والاقتصادية إلى الحروب العسكرية وخاصة في مجال عسكرة الفضاء، وبات النفوذ اقتصاديا محتدما بين الولايات المتحدة والصين، إذ تسعى الأخيرة إلى استثماره في بناء قوة عسكرية مؤثرة إقليميا ودوليا، ونفوذ سياسي، في حين تسعى واشنطن إلى إشراك القوى الدولية في تحمل تكاليف وأعباء الحفاظ على توازن القوى العالمية، على خلفية الأزمة الداخلية ضد سياسيات ترامب.

وفي تصعيد اقتصادي قوي، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن روسيا والصين تنتويان زيادة استخدام عملتيهما الوطنيتين وليس الدولار، في مبادلاتهما التجارية المتنامية لتبلغ مستوى قياسياً على خلفية التوتر بين روسيا والغربيين.

وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ أثناء منتدى اقتصادي في فلاديفوستوك في أقصى شرق روسيا إن : "الجانب الروسي كما الجانب الصيني أكدا اهتمامهما باستخدام عملتيهما الوطنيتين بشكل أكبر في المبادلات المشتركة، وستعزز هذه الخطوة الاستقرار في معالجة البنوك لعمليات الاستيراد والتصدير في أجواء من أخطار مستمرة في الأسواق العالمية".

وتأتي هذه التصريحات على خلفية عقوبات اقتصادية تزداد تشدداً يفرضها الغرب على روسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية عام 2014، وشددت واشنطن أكثر في الأشهر الأخيرة ترسانة عقوباتها على خلفية اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز فيها دونالد ترامب عام 2016 وبتسميم جاسوس روسي سابق وابنته في بريطانيا في مارس 2018.

من جهتها، تخوض الصين حرباً تجارية مع الولايات المتحدة منذ أن فرضت واشنطن رسوماً جمركية على بعض المنتجات الصينية، الأمر الذي ردت عليه بكين بالمثل. وتعززت العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية بين روسيا والصين في السنوات الأخيرة في وقت يتصاعد التوتر بين موسكو والغربيين.

وفي دراسة بعنوان "دبلوماسية دفتر الديون"، أعدها "سام باركر"، و"جابرييل شفيتز"، الحاصلان على درجة الماجستير في السياسة العامة بكلية هارفارد كينيدي، وعرضها مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة بدولة الإمارات العربية المتحدة، تناولت الفائدة الاستراتيجية للصين من سياسة الإقراض، وتأثيراتها على المصالح الأمريكية.

وخلصت الدراسة إلى أن دبلوماسية ديون الصين باتت تثير هواجس الولايات المتحدة لأنها وسيلة تستخدمها بكين لتحقيق أهداف استراتيجية مضادة للمصالح الأمريكية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، تمتعت واشنطن بهيمنة اقتصادية وعسكرية غير قابلة للتحدي في منطقة المحيط الهادئ، مدعومة بنظام تحالف قوي لا مثيل له لدعم بروز القوة الأمريكية. لكن صعود الصين قوض من القوة الاقتصادية الأمريكية بتلك المنطقة.

تهدف بكين إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية أساسية من سياسة الإقراض للدول المتعثرة، يتمثل أولها في إنشاء والسيطرة على موانئ المحيط الهندي لحل معضلة مضيق ملقا، ويتعلق ثانيها بتقويض التحالف الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة عبر المشروعات والتجارة الحيوية في جنوب آسيا، وينصرف ثالثها إلى تمكين الجيش الصيني من السيطرة على جزر المحيط الهادئ.

رد أمريكي قوي

نقلت واشنطن الصراع والتنافس مع الصين وروسيا من التجارة إلى الفضاء، فقد نددت واشنطن بمشروع روسي – صيني لإبرام معاهدة لكبح سباق تسلّح في الفضاء، مبدية قلقاً من سعي موسكو إلى امتلاك أسلحة تُستخدم في الفضاء. لكن روسيا أعلنت استعدادها لمناقشة الولايات المتحدة حول ملف أحدث أسلحتها الاستراتيجية، فيما نددت بكين بـ «محتوى سلبي» تضمّنه قانون الموازنة العسكرية الأميركية الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب.

وتقضي الميزانية الأمريكية الجديدة 2019 بضخ حوالي 716 مليار دولار في الإنفاق العسكري ، حيث يعد هذا الرقم الأكبر في تاريخ وزارة الدفاع الأمريكية، وهي تزيد بنسبة ثلاثة في المائة عن الميزانية العسكرية للعام 2018. كان مجلسا الكونجرس "الشيوخ والنواب" قد وافقا في وقت سابق، على مشروع قانون الميزانية الذي يخفي بين جنباته مشروع إطلاق سباق تسلح جديد في العالم، وتبدأ الولايات المتحدة السنة المالية 2019، في الأول من أكتوبر 2018.

ووفقاً لهذه الاستراتيجية، يعد البنتاجون العدة لإرساء مركز قيادة فضائية، على غرار مراكز القيادة الأمريكية الجغرافية، ومنها "سنتكوم" (القيادة المركزية الأميركية الوسطى في الشرق الأوسط) أو المراكز التي تعنى بمسائل، مثل "ستراتكوم"» للأسلحة النووية.

ووفقًا لوثيقة الميزانية فإن وكالة أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ التي تدخل ضمن نطاق وزارة الدفاع الأمريكية، يجب أن تبدأ عملها قريباً لإطلاق أنظمة في الفضاء لرصد واعتراض الصواريخ الباليستية. كما سيتم إنفاق مئات الملايين من الدولارات على شراء مدرعات جديدة، وتحديث المدرعات الحالية، بجانب شراء كمية أكبر من مقاتلات "إف-35" الجديدة، وبناء 13 سفينة عسكرية، وحاملة طائرات من طراز "فورد"، وغواصة استراتيجية جديدة من طراز "كولومبيا".

وبجانب التطوير الحالي للجيش في الخطة التقنية وتخصيص الأموال لتطوير المجمع الصناعي العسكري، فإن ميزانية الدفاع الجديدة تؤكد سياسة القيادة الأمريكية حول عدم الاعتراف بجزيرة القرم كجزيرة روسية، وكذلك تؤكد على مد حظر التعاون العسكري مع روسيا، باستثناء التعاون المشترك لتفادي النزاعات العسكرية.

في حين أن روسيا وعلى رغم ضعف ناتجها القومي، تمثل هي الأخرى قوة فضائية وعسكرية، فقد أطلقت في 2014 قمرها الاصطناعي كوسموس 2499، وأعلنت في مارس الماضي، إطلاق صاروخ تفوق سرعته أضعاف سرعة الصوت، لا ترصده أنظمة الدفاع الصاروخي.

لكن التحدي الأبرز اليوم هو الصين، فهي منذ 2007 دمرت قمرها الاصطناعي القديم بواسطة صاروخ أطلقته من الأرض، وتجاوزت عتبة جديدة في مطلع هذا العام، مع إعلان نجاحها في إطلاق صاروخ أسرع من الصوت.

وخلافاً لتعهداتها ولما وقعت عليه الولايات المتحدة، كعضو في اتفاقية الفضاء الخارجي التي تمنع نشر أسلحة دمار شامل في الفضاء، وتسمح فقط باستخدام الأقمار الاصطناعية والأجرام السماوية الأخرى للأغراض السلمية؛ أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن "حرب الفضاء" لم تعد مجرد شعار أو مصطلح عابر سبق وعبرت عنه دوريات وأفلام الخيال العلمي، وأنها باتت قريبة، وفي الثامن عشر من يونيو الماضي، أمر ترامب البنتاجون بتشكيل ما أسماه "قوة فضائية"، بهدف أن تصبح الذراع السادسة في الجيش، مؤكداً أن تلك القوة ستضمن "الهيمنة الأميركية" على الفضاء.

يبقى القول أن امتداد مساحة التنافس والصراع بين أمريكا وروسيا والصين، باتت تؤرق النظام العالمي، إذ لا يزال النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم مخيماً على أسواق الأسهم والعملات، خصوصاً بعد تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخيراً، حدة التوتر وتهديده بفرض المزيد من الضرائب على الواردات الصينية، في حين من المقرر أن تطلب الصين من "منظمة التجارة العالمية" السماح لها بفرض عقوبات على الولايات المتحدة.