• الحرب علي الفساد


القاهرة .. شادية محمود (مركز دراسات وأبحاث الشرق الأوسط )
باختيار القمة الافريقية فى دورتها الحادية والثلاثين التى عقدت بالعاصمة الموريتانية نواكشوط فى الأسبوع الماضى ، يوم ١١يوليو كـ " يوم للحرب على الفساد فى إفريقيا " يكون (عام 2018 الحالى) مرشحا بجدارة ليكون عام " المكافحة الشاملة الجماعية لآفة الفساد" على مستوى القارة ، حيث تمثل الحرب على الفساد مهمة قتالية ، وواحدة من أهم وأشرس معارك الشأن الداخلى٠
ومما لاشك فيه أن شعار " الانتصار فى مكافحة الفساد .. نهج مستدام نحو تحول إفريقي " ، الذى حملته القمة جاء مترجما لعزم الاتحاد الأفريقي وتأكيده على الالتزام بمكافحة الفساد من خلال الآليات التي وضعها لهذا الغرض ، وموضوع "مكافحة الفساد" الذى تناوله باستفاضه رؤساء وزعماء دول إفريقيا خلال مناقشات قمتهم، جاء نابعا من إرادتهم فى القضاء على تلك الآفة التى باتت ظاهرة ، حيث أن كافة الدول الأفريقية "معنية " بها بطريقة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة ، وعكس إدراكهم بخطورتها وأثرها فى تقويض جهود التنمية ، ومدى ما تحتله من أهمية لدى الكثير دول القارة التى تسعى للتصدى للفساد لتحقيق تطلعات الشعوب فى العيش الكريم، حيث يعوق الفساد إنطلاق قطار التنمية ، و يكبد أفريقيا نحو 50 مليار دولار سنويا
وهناك أدوات هامة متعددة الأطراف في القارة الأفريقية تعمل على مكافحة الفساد ، تركزت أهدافها على تشجيع وتعزيز الجهود المبذولة فى هذا الصدد ، ومنها اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد، وبروتوكول سادك لمكافحة الفساد، وبروتوكول الإيكواس لمكافحة الفساد، وتعمل على تعزيز التعاون بين الدول الأطراف لضمان فاعلية التدابير والإجراءات الخاصة بمنعه، والجرائم ذات الصلة في إفريقيا، وتنسيق ومواءمة ، وتعمل دول القارة من خلال الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الفساد على مناهضته بالآليات اللازمة، والقضاء عليه، وتعزيز التعاون بين الدول الأطراف لضمان فاعلية التدابير والإجراءات الخاصة بمنعه ، والجرائم ذات الصلة فى إفريقيا ، وتنسيق ومواءمة وتسهيل السياسات والتشريعات بين الدول الأطراف ، حيث تدرك الدول الأفريقية بوضوح أن الفساد يمثل تهديدا خطيرا للمبادئ والقيم الأساسية، ويعيق الديمقراطية والنمو الاقتصادي، ولذلك فإن هناك قبولا عاما لضرورة معالجة المشكلة بطريقة مستدامة.
وفيما يعد الفساد ظاهرة عالمية ، و التحدى الأكبر للحكم الرشيد والنمو الإقتصادى المستدام والسلام والإستقرار والتنمية ، فإنه يكون أكثر تأثيرا فى الدول النامية والفقيرة ، حيث يتم تحويل ووضع الموارد التنموية على نحو غير ملائم فى إيدى القطاع الخاص الأمر الذى يؤدى إلى تفاقم الفقر ، ووفق العديد من استطلاعات الفساد ينظر إلى إفريقيا باعتبارها المنطقة الأكثر فسادا فى العالم ، وبالتالى فإن معالجة مشكلة الفساد بطريقة استراتيجية وشاملة يكتسب أهمية قصوى لأولويات التنمية فى القارة ، وتؤكد الأرقام التي أعدها الخبراء أن الموارد المحولة جراء الفساد بأفريقيا "يمكنها لو تم استثمارها أن تعوض اللجوء للمساعدات الخارجية ٠
وهذا يؤكد أن الفساد هو العدو الأكبر فى إفريقيا، ورغم أن له معان كثيرة، فإنه فى القارة السمراء التى دائما ما تحتل دولها المراتب الأولى فى مؤشرات عدم الشفافية العالمية يترجم هذا المصطلح بالعديد من الأزمات من فقر وجهل وجوع ومرض وحروب وتأخر فى التنمية، وما تعكسه من معاناة شعوبها من ضياع وسرقة مقدراته وأحلامه نحو مستقبل أفضل، حيث يمثل تحديا هائلا أمام جهود التحول الديمقراطى وتحقيق الاستقرار وبناء دول وشعوب قوية قادرة على اختيار مقدراتها ومحاسبة المتورطين فى إعاقة تقدمهم ٠
وهناك ستة معوقات تجعل من مكافحة الفساد فى أفريقيا أمرا صعبا ، وهى انعدام الشفافية ، قلة المعلومات والإحصاءات والمصادر والأرقام الرسمية عن حجم الفساد، غياب آليات قانونية تطبق على كبار المسؤولين الفاسدين أثناء وجودهم بالسلطة، افتقار وجود آلية منهجية ورؤية شاملة لمكافحة الفساد تستهدف إقتلاعه من جذوره وعلاج أسبابه، غياب الوعى المجتمعى بضرورة المساهمة فى القضاء عليه، وأخيرا عدم وجود خطط قانونية ومؤسسية لمحاربته، إنما يتم الأمر بغرض الثأر والتنكيل السياسى بين المتنافسين والمعارضين السياسيين بعضهم البعض بغرض التنافس على السلطة والطمع فى المناصب والامتيازات٠
وحدد مؤشر الفساد الذى أعدته منظمة الشفافية الدولية الأشكال الأكثر شيوعا للفساد فى القارة ، وهى الرشوة، وتزوير الانتخابات، وصفقات العقود المشبوهة مع الشركات متعددة الجنسيات العاملة فى قطاع الموارد الطبيعية، وتحويلات الأموال غير المشروعة إلى خارج الدول ، وترى المنظمة أن 90 فى المائة من دول إفريقيا فاسدة فسادا يؤثر بدوره على التنمية التقليدية والمستدامة فى غرب إفريقيا، وبالتالى فإنه يؤثر فى أغلب الأحيان على الفئات الأفقر والأضعف فى المجتمع٠
من جانبها ، كشفت مؤسسة دعم قدرات أفريقيا وهى (وكالة متخصصة في الاتحاد الأفريقي في مجال دعم القدرات) ، أن المكافحة الفعالة للفساد يمكن أن تساعد أفريقيا في التركيز على الاستثمارات المكثفة والاستفادة من الموارد البشرية ، مشيرة إلى أن هذا الخيار سيسهل تنمية القارة من خلال تنفيذ المخططات التنموية الوطنية "لأجندة إفريقيا 2063 " وأهداف التنمية المستدامة التى تسعى من خلال جملة استراتيجيات إلى مكافحة الفساد على مختلف المستويات ، باعتباره "قاعدة انطلاق " لكل البرامج التنموية الهادفة إلى بناء وتطوير وتمكين القارة، الآليات والسياسيات التي من شأنها منع وكشف ومعاقبة الفساد٠
وخطة الاتحاد الافريقى للقضاء على الفساد فى عام 2018، تسلط الضوء على ظاهرة تدفق أموال القارة للخارج ونهب ثرواتها وحرمانها من الاستفادة منها، وتسعى لتوحيد الجهود من أجل القضاء على ظاهرة غسل الأموال، بالتنسيق مع الدول المستقبلة لتلك الأموال حتى تسد الطريق فى وجه الفاسدين وتمنعهم من الاستفادة من الأموال المنهوبة وإضافتها لثرواتهم الخاصة ، والتنبيه إلى ضرورة تحويل الجهود المبذولة إلى اجراءات فعلية على أرض الواقع حتى تؤتى أثرها وذلك من خلال ترجمتها إلى إجراءات وقوانين تنفيذية يسهم فى تطبيقها الجميع (الحكومات والمؤسسات والأفراد)٠
ولمصر تجربة واقعية ناجحة فى منع ومكافحة الفساد يعطى الرئيس عبد الفتاح السيسى أكبر دعم ومساندة لها ، وتقودها هيئة الرقابة الإدارية بتوجيه ضربات موجعة للفاسدين أيا كانت مناصبهم ، وبها أصبحت مصر دولة افريقية نموذجية فى مكافحة الفساد ، حيث طالبت العديد من الدول الإفريقية الاستفادة من التجربة المصرية بعد التعرف على الجهود الوطنية فى تنفيذ أهداف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ونشر قيم النزاهة والشفافية بوحدات الجهاز الإدارى للدولة ، والتى تتوافق مع محاور الآلية الإفريقية.
وقد عرض الرئيس السيسى تجربة مصر الرائدة في هذا المجال ، على الدول الإفريقية خلال أعمال الدورة العادية الثلاثين للاتحاد الإفريقي، التى عقدت فى شهر يناير الماضى فى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا ، باعتبارها تجربة واقعية يمكن الاحتذاء بها فى مجال مكافحة الفساد والضرب على أيدى الفاسدين، وفى مجال متابعة هذه المكافحة، حتى لا يؤثر الفساد على التنمية، حيث أخذ هذا الموضوع منحى شديد الجدية، منذ تولي السيسى رئاسة مصر، وذلك بإطلاقه المعركة ضد الفساد، ابتداء من العمل على استرداد أراضى الدولة المنهوبة والمعتدى عليها، إلى جانب ضبط عدد من القضايا الكبرى المتورط فيها مسئولين كبار بالدولة.
ويستمر دور هيئة الرقابة الإدارية بقوة فى العام الحالى بالتوازى مع جهود المكافحة الشاملة الجماعية لآفة الفساد" على مستوى القارة ٠

أ ش أ